صحوت من نومي على أثر رفسات في بطني. شاهدت ثلاثة أشخاص في المنزل. رجلان وامرأة. الرجل الكبير السن ضخم، متين البنية. راح يتكلم لغة أجهلها تماماً. أعتقدت في بادئ الأمر إنه مجرد حلم. فما أكثر الأحلام التي أرى.
جرني الرجلان من السرير.. (أنا ضعيف البنية).
– سريري! بيتي! ماذا تفعلان!؟
راح الرجل الضخم يتكلم مع المرأة التي يبدو أنها زوجته. كانت منفعلة قليلاً، يظهر أنها كانت تشاركني جزءاً يسيراً من عاطفتي الملتهبة.
أجلسني الرجل على الكرسي. وقف الشاب ورائي. الرجل الكبير تناول ورقة صفرا كبيرة، انطلق يقرأ ويقرأ. لم أفهم شيئاً.
فقلت:
– لا أفهم هذه اللغة أيها السادة، وهذا بيتي.
لم يهتم الرجل باحتجاجي. واصل القراءة.
– ماذا تريدون مني بصراحة؟!
فرغ من القراءة. ناولني الورقة. الورقة سميكة، مخططة، فيها كتابات وصور غريبة. صور بحر وسفن وبنوك وشركات.
– أهو فيلم أيها السادة أم مسرحية مرتجلة ما تقومون به؟
المرأة تصرخ. إنها متشنجة. لا شك أنها تدافع عني. لم يهتم الرجل بصراخها. ألقى الورقة. فجأة راح الرجل يرقص أمامي. (لا تقلد زوربا أيها الحقير) أشار في حركاته إلى بيتي. وإلى بلاد بعيدة، هذا البيت، يقول بالإشارة، بيتي. إنه لنا. أنت، لي أنا، أجنبي.
وقفت محتجاً:
– إنه منزلي، وأنتم الغرباء المحتلون!
مضى في رقصه، أشار إلى أنهم أقوياء، يملكون البر والبحر والجو، وأنه لا يحق لنا العيش هنا. الحيوانات الضعيفة لا مكان لها بين الوحوش القوية.
هدأ الرجل. كان العرق يتصبب منه. ثم أحسست بضربة عنيفة على صدغي من الخلف. أمسكني الرجلان بعنف أخرجاً حبلاً وربطاني بالكرسي.
– ما الذي تفعلانه؟! أيها الناس.. يا أهل الحي!
انطلقت في هتاف وصراخ عنيفين. وضع الشاب منديلاً قذراً في فمي.
هنا قامت المرأة ضاحكة. فتحت الباب ومضت. بعد لحظات كان عدة أطفال صغار يتدافعون إلى منزلي، أقصد المنزل. وقفوا أمامي. بدت الدهشة على وجوههم. كأنهم يشاهدون هندياً أحمر. اقترب أحدهم مني. يبدو أنّه متأثر. هتف به والده. ابتعد. ثم انطلق الصغار في أنحاء البيت يضحكون.
لا قدرة لي على الكلام. لا قدرة لي على التفسير. لا قدرة لي على الاحتجاج.
جاءت الأم مرة أخرى. معها الآن شابة نحيفة. رائعة الجمال. هل أنا وحش أيتها السيدة المحترمة جداً؟
أحضر الشاب العديد من كتب مكتبتي. ألقاها في الفناء. هتف للصغار بلغته الغريبة. فأسرع هؤلاء إلى الكتب يحملونها إلى الخارج.
إنها كتب عظيمة أيها السادة تحتوي أراء قيمة لمفكرين كبار خدموا البشرية. ألقوا ثيابي، أحرقوها، أما هذه فلا!
سمعت طرقات على الباب. مضى الوالد. بعد لحظة دخل مع ضابط المركز في حينا. فرحت كثيراً بمجيئه. كأنه على موعد مع هذا الكابوس. أنه أحمد، أحمد زميلي القديم في الدراسة، الذي كان يعتمد علي كثيراً أيام الامتحانات.
اقترب مني. نزع المنديل. هتفت:
– من هؤلاء؟ من هؤلاء الغجر؟
– …………..
– لقد حطموا أعصابي. أنقذني منهم. كدت أعتقد أنه حلم رهيب لن ينتهي.
– أصبر لحظة حتى نحقق في الموضوع.
– إنه بيتي يا أحمد. دخلوا علي، واحتلوا منزلي بكل قوة وعنف وبشكل لا أخلاقي.
ـ انتظر لحظة حتى أسمع أقوال السيد.
– تسمع أقواله…؟ ألا ترى وضعي الموضوعي..!
ثم منذ متى تعرف أنت لغة أجنبية؟؟
– إذا لم تسكت سأضع المنديل في فمك القذر.
كانت ضربة قاسية. ثم راح يستمع إلى حديث الرجل الضخم.
بعد لحظة نادى العديد من رجاله. أحاطوا بي. هتفت:
– ما هذا يا أحمد؟ سرقوا منزلي وأنت تساعدهم؟!
– أحمد الله على سلامتك. غيرك حدث له أسوأ مما حدث لك.
ـ آه يوجد غيري أيضاً! يا لها من لعبة قذرة!
– خذوه إلى السجن، حذار أن يفلت منكم.
ابنُ السيد رواية لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
رواية ابنُ السيد لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
عبـــــــدالله خلـــــــيفة كاتب وروائي
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
اغـتيال ـ قصة قصيرة : عبـــــــدالله خلـــــــيفة
في تلك الليلة، كان المقهى يغرق في ضوء أصفر شاحب، تتصاعد فيه رائحة القهوة المحروقة والدخان الرطب، بينما كان المذياع يبث أغنية قديمة تقطعها وشوشة غامضة. فجأة انفتح الباب بعنف، ودخلت جماعة لا يعرف أحد من أين جاءت ولا كم كان عدد أفرادها. توزعوا بين الطاولات كأنهم يحفظون المكان عن ظهر قلب، ثم أغلق أحدهم المذياع. قال بصوت منخفض لكنه نافذ: استمروا في اللعب والأكل والشرب… كأن شيئاً لم يحدث.
غير أنّ الهمس انقطع عند الطاولة القريبة من الجدار. اقترب رجلان: أحدهما طويل بوجه حاد كأنه خارج من ظل، والآخر قصير يحمل كراسة سوداء صغيرة. كان على الكرسي رجل شبه نائم، رأسه مائل إلى صدره، ويده تبحث في الهواء عن شيء مفقود.
قال الطويل بحدة: ـ هيا. قم.
فتح الرجل عينيه بصعوبة. لم يلتفت إليهما أولاً، بل راح يتحسس صدره وجيوبه والطاولة أمامه.
تمتم مذعوراً: ـ نظارتي… لا أرى بدونها.
جلس القصير قربه وفتح كراسته، بينما انحنى الطويل فوق الطاولة كمن يشم أثراً غير مرئي.
قال الطويل: ـ كفى بحثاً عن نظارة غير موجودة. أجب عن الأسئلة.
مضى الرجل يبحث عن نظارته. صاح فجأة:
– سرقوها. أولاد الحرام!
– كفى تلاعبا. وأجب عن أسئلتي!
– ينبغي أن أتمكن من رؤيتكم أولاً، هذا فظيع.
– لا تحاول التلاعب بالقانون!
– القانون يجب أن يحمي ملكيتي المسروقة!
أمسك القصير الرجل من كتفه. صاح:
– لا تجعلنا نستعمل معك الإجراءات المشددة!
– إنه يحاول أن يفلت من الجريمة التي حدثت.
صاح الرجل:
– أية جريمة! تعني سرقة النظارة.
قال الطويل، وهو يشير إلى زاوية المقهى التي ازدحم حولها الظل: ـ وجدنا أحد الرواد مقتولاً. اسمه هارون. سقط قرب هذه الطاولة، ولم يسمع أحد صرخته. الغريب أن كوبه ظل ساخناً، والسيجارة بين أصابعه لم تنطفئ، وآخر جملة قالها ـ بحسب شاهد لا نراه الآن ـ كانت: الجو اليوم رديء جداً.
ابتلع الرجل ريقه، ثم قال: ـ أي تحقيق هذا؟ أنا شخص مسروق، وأنتم تسألونني عن ميت لا أعرفه!
قال القصير وهو يكتب: ـ كل من في المقهى تحت التحقيق. لكنك الوحيد الذي كان قريباً منه… والوحيد الذي يدعي أنه لم ير شيئاً.
قال الرجل: ـ كيف أرى ونظارتي مفقودة؟ ابحثا عنها أولاً، فقد تكون عند القاتل. عندها أمسكه الطويل من جيب قميصه وهزه بعنف.
صرخ الطويل: ـ أنت متهم بقتل هارون.
– ومن هارون! سارق النظارة؟
قال القصير: ـ رجل ضخم الجثة، غريب المهنة، لا يعرف أحد إن كان تاجراً أو مخبراً أو شبحاً يتكرر ظهوره في المقهى كلما وقع أمر سيئ.
– لم أره.
– جلس قربك هنا.
– لم أره.
– قال لك: الجو اليوم رديء جداً.
– هل تعتقد أنه سارق..
قاطعه الطويل بحنق:
– هل سمعته يقول ذلك؟
– لم أره.
– بالطبع لم تره، ولكن ألم تسمعه أيضاً؟
– ومن أين لي أن أسمعه ونظارتي في جيبي!
– وما دخل نظارتك في سمعك؟
– عندما أنزع نظارتي أنام.
– ولم لا تنام الآن؟؟
– أنت تمنعني!
قال الطويل وهو يطرق على الطاولة بإصبعه: ـ هنا سقط هارون. هنا تحديداً. والغريب أننا وجدنا قرب جسده أثراً دائرياً صغيراً، كأنه تركته عدسة نظارة، وقطرة دم واحدة على منديل أبيض لا يخصه.
– وكيف عرفت أنه قال: الجو اليوم رديء جداً؟!
قال الرجل فجأة: ـ وكيف عرفتم جملته الأخيرة؟ من أخبركم؟
أجاب الطويل بعد صمت قصير: ـ هو أخبرني. ثم ابتسم ابتسامة ضيقة، كأنه أدرك أن العبارة وحدها تكفي لصنع فخ.
– لا يحق لك التدخل في هذه الشؤون.
قال الرجل: ـ ميت يخبرك؟ هذا تناقض. إما أنه لم يمت، أو أنكم تعرفون القاتل وتبحثون عن شاهد أعمى.
قال الطويل للقصير: ـ سجل. المتهم يلاحظ التناقضات بسرعة خطرة. هذه علامة من علامات المعرفة المسبقة.
أخرج القصير كراسة جيب سوداء، وعلى غلافها بقعة بنية جافة. حين فتحها ظهر بين الصفحات خيط رفيع من زجاج مكسور، فارتجف الرجل.
همس: ـ أسمع صرير قلم… وأشم رائحة زجاج محترق.
– إن الكاتب استطاع العثور على نقطة خطيرة تدينك.
– هل اكتشافي للتناقض الذي وقعت فيه نقطة خطيرة تدينني بدلاً من أن تدينك أنت!
– سؤال آخر يا سيد..
– قبل أن تسأل يجب أن تجيب.
– ليس من مهمتي الإجابة، أنت المستجوب. يجب أن تفهم طبيعة العلاقة التي بيننا.
– هذا إهدار لحق الرأي الدستوري!
أسرع القصير بالكتابة وهو فرح.
– نقطة أخرى تبرهن على جريمتك. أرى أنك تتجاوب معنا تماماً.
– ماذا يحدث؟ كيف هذا؟
سأل الطويل: ـ ما الذي قادك إلى هذا المقهى في هذه الساعة تحديداً؟
قال الرجل: ـ التعب. جئت من العمل لأستريح. جلست هنا، نزعت نظارتي، ثم غرقت في نوم لا يشبه النوم.
– بمعنى انك كنت متذمراً؟
– كنت تعباً.
– وكان في نيتك القتل؟
– بحثت عن أقرب كرسي..
– وفجأة صادفت عدوك؟
– جلست قربه بالفعل..
– وتظاهرت بالنوم ثم طعنته؟
قال الرجل بصوت متقطع: ـ في الحلم فقط. رأيت هارون يمد يده إلى نظارتي، يضحك بلا فم، ثم يطاردني بين آلات المصنع. كلما ركضتُ، سمعتُ عدسات تتكسر تحت قدمي.
قال القصير وهو يرفع رأسه: ـ الحلم اعتراف حين يعجز الواقع عن الكلام.
– حلمت أنه يضايقني بجسمه الضخم.
– ومن هنا جاءت فكرة القتل؟
– أردت الابتعاد ولكنه طاردني..
– هل قبض عليك؟
– هربت منه، وصلت إلى مصنعي.
– وبعد؟
قال الرجل: ـ عندما أفقت، لم أجد نظارتي. وجدت الكرسي القريب فارغاً، والهواء بارداً، وكأن أحداً نهض مسرعاً قبل أن يترك دليلاً كاملاً.
– وهنا قمت بقتله؟
– لا. نمت ثانية.
– لماذا؟
قال الرجل: ـ لأنها سرقت. وسرقة النظارة ليست شيئاً صغيراً. من يأخذ نظارتي يأخذ قدرتي على تمييز الوجوه، على معرفة من يسأل ومن يتهم ومن يقتل.
– وبعد ذلك؟
– جاءني اثنان.
– وما علاقتهما بالشخص الأول؟
– راحاً يحققان في أمره.
– تتحدث عنا إذن؟
– بالطبع وجدتكما بعد ذهابه، المطاردة ذات أشكال مختلفة.
– ولكنك قتلته؟!
– لم أقتله. لقد ذهب. سرق نظارتي ومنعني من اكتشاف هويتكما جيداً.
– هل تعلم أن بحثك عن النظارة أدى إلى الجريمة؟
– وكيف؟
– كلما طرحت أسئلة كان ذلك أسوأ. ينبغي أن تهتم بالإجابة الصحيحة فقط.
– والعمل، هل أنا بريء الآن؟
– أنت قاتل. وقد كان تسلسل التحقيق الدقيق إلى هذه النتيجة أمراً مؤكداً.
أحَسَّ بالدوار. تمنّى لو يشاهد بقية رواد المقهى ماذا يفعلون.
قال الطويل: ـ كل الدلائل ضدك: نومك في وقت الجريمة، حلمك العنيف، بحثك المحموم عن النظارة، والعدسة التي وُجدت قرب الجثة. حتى صمتك دليل، وكلامك دليل، وخوفك دليل. في القضايا الغامضة لا نحتاج إلى قاتل بقدر ما نحتاج إلى معنى واضح للجريمة.
قال الرجل متوسلاً: ـ إذن فتشوا عن النظارة. إن وجدتموها ستعرفون من رآني ومن لم يرَ هارون.
ابتسم الطويل ساخراً وقال: ـ لو كنت قاتلاً لكان الأمر أبسط. المشكلة أنك ربما تكون بريئاً، والبراءة في مكان كهذا تهمة لا تقل خطراً عن القتل.
– ها! ما هذا؟
– للأسف الشديد أعمالك كلها تثبت جريمتك. الوقاحة والتحدي. الرغبة في التدمير والهدم. الأحلام الخطرة.
صرخ الرجل: ـ أنا لم أقتل أحداً. أريد نظارتي فقط.
– مرة أخرى! هذه الأقوال تزيد متانة حكمنا.
– لا ينفع معكم سوى السكوت.
– السكوت أيضاً له مضاره.
– حتى السكوت!؟
– السكوت يعني الرفض السلبي.
– وما هو العقاب بعد هذه التهم كلها؟
قال الطويل: ـ الحكم جاهز. العقاب هو الإعدام يا سيد.
– الإعدام؟؟ هل جننتما؟؟ أنا لم أتوقع..
– هذه ليست مهمتنا.
– …
ثم مال القصير نحوه، ووضع على الطاولة شيئاً صغيراً يلمع تحت الضوء الأصفر: نصف عدسة مكسورة. قال بهدوء: ـ لا فائدة. الحل الوحيد أن تنضم إلى هيئة التحقيق. عندها فقط ستعرف أين اختفت النظارة، ومن كان يضعها عندما مات هارون.
– …
مد الرجل يده المرتجفة نحو نصف العدسة. في تلك اللحظة انعكس فيها وجه ثالث لا يقف أمامه أحد. سمع المذياع المغلق يهمس من جديد بالجملة نفسها: الجو اليوم رديء جداً. وعندما التفت رواد المقهى، لم يجدوا هارون وحده ميتاً في الزاوية، بل وجدوا الكرسي المقابل فارغاً، والكراسة السوداء مفتوحة على صفحة كتبت فيها عبارة واحدة: المتهم القادم كان يظن أنه لا يرى.
عبـــــــدالله خلـــــــيفة كاتب وروائي
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
