❶
لبس عمامته وعباءته السوداء كأنها الليل، وانطلق إلى القصر الكبير، الرابض بعيداً عن القرية، كأنه عين تنظر إليها بشموخ وكبرياء. مضى يسبِّح بمسبحته الطويلة.
«يا إلهي كم هي ملعونة هذه القرية! ينزل إليها الشر فلا تقاومه. إن أعضاء هذا النادي ينشرون مبادئهم الهدامة دون أن تمتد يد لتحاسبهم. السيد خلفان مشغول بملذاته ولياليه الحمراء، غير مدرك للنار التي تشتعل من حوله. يجب أن أصحيه، أن أوقظه قبل وقوع المحظور، وعليه هو أن يقطع رأس الأفعى الطبيب حسين زعيم الكفرة والملحدين. قريتنا لم تعرف هذه المهزلة إلا اليوم، كنا نعيش في سلام وأمن، فلا ندوات ولا محاضرات، لم نكن نسمع عن الطبقات أو الحرية، ولم نكن نشاهد النساء بلا عباءات، كان الخادم يسير وعيناه في الأرض، وإذا بكل ذلك يتغير، أصبحنا نرى البنات يطالبن بالمساواة، والفقير يصرخ في وجه الغني، والخادم يعارض سيده. انقلبت الأمور ومال ميزان الحق».
تلفت وراءه، فشاهد أحدهم يغني موالاً دافئاً للأشجار والقمر. انتظر حتى غاب. اندفع نحو القصر، ظلت الكلاب تنبح ثم هدأت. جاءت تتمسح به.
دخل المجلس، وجده متربعاً ينتظره. يأكل عنباً. جثة هائلة تطحن باستمرار.
– أهلاً بك يا سيدي.
– أهلاً بك يا سيد عبدالمولى.
جلس بقربه، تناول تفاحة وراح يقضمها. قام خلفان بصعوبة، أخذ يتجول في الغرفة. تطلع من النافذة إلى القرية.
إنه يراها كالدجاجة تنتظر السكين. الآن سوف تشتعل هذه القرية على رؤوس الهدامين. ها هي عين مالكها تحدق بها.
قال خلفان فجأة:
– توجد امرأة اسمها زهرة بنت محسن في قريتي، هل تعرفها يا شيخ؟
آه ليس هذا وقته أيها الخنزير. لدينا مهمات أكثر جدية.
– أعرفها يا سيدي، وهي تتحدث عن سعادتك بكل قول طيب.
– هل من الممكن أن أسمع هذا الإعجاب بنفسي؟
– كما تشاء يا سيدي.
هل انتهينا من هذه القضية يا برميل اللذة والتفاهة؟
لو رأتك زوجتك لبصقت عليك ولا شك، لكن لو أدركت أن حماية الأخلاق والفضيلة تضطرنا إلى التعامل مع أسوأ النماذج، مع أحقر الحيوانات البهيمية في سبيل الحفاظ على تقاليدنا الخالدة، لعرفت أي رجال نحن. هل نترك الهدامين يشعلون النار في حقلنا الطافح بالسنابل؟
– يا سيدي أردت أن أتكلم معك في قضية خطيرة.
تنبه البرميل فجأة وبدأ يصحو.
– قضية خطيرة؟ ماذا حدث من جديد؟
أخذت الفرحة تتجول في صدرك. الآن سوف ينتبه السيد خلفان إلى قريته، ويعرف أن وجود الطبيب هو الخطر.
– يا سيدي المشكلة هي النادي. لقد تغير فجأة، فظهرت المحاضرات والندوات، وبدأوا يتحدثون عن كون الإنسان قرداً في غابر الزمان، وإن الإناث يجب أن يتحررن من سيطرة الذكور، والدين لديهم ضلالة وبدعة!
تشنج خلفان وراح يتمتم.
– والأدهى من ذلك يا سيدي أنهم راحوا يتحدثون عن ضرورة مصادرة بساتينك، وضرورة توزيعها على الفلاحين…!
قفز خلفان وكاد يصل إلى السقف. راح يفرقع أصابعه وكأنه يطلق سيلا من الرصاص على جيش هائل.
– يا للهول!
– والأخطر من ذلك أن الطبيب المدعو حسينا، والقادم تواً من عاصمة الكفر والضلال: باريس، يصور نفسه زعيم القرية ومختارها الحقيقي!
قام حانقاً، وانطلق يرعد ويقصف:
– ومنذ متى يحدث ذلك؟ كيف لم أعرف إلا في هذا الوقت؟ كيف تتجول دائماً بهذه اللحية، الشبيه بلحية التيس، وتغرف من مالي، دون أن تخبرني؟ دون أن تجعلني أزلزل الأرض تحت أقدامهم؟
ها قد تحول برميل النبيذ إلى برميل بترول. هذا الأحمق المشغول بالعاهرات يعنفني. لو رأتك زوجتك لضحكت منك وقالت «كيف ترتعد منه وتريد أن تصبح مختار القرية؟».
– يا سيدي إن زمام الموقف لم يفلت من يدنا بعد. إن لديك الكثيرين من الاتباع لم يتحركوا بعد. ولديك العديد من المؤيدين لم يسمعوا كلماتك السحرية، ولم يروا نقودك الذهبية..
– سوف أدمر هذا النادي، ولن أبقي منه حجراً على حجر، سوف أمسك زعيمهم العظيم هذا وأقطعه قطعاً أرميها للكلاب. أجماعة من الأوباش يعتدون على الملكية الخاصة المقدسة!
❷
بعد أن شرب شايه في المقهى، نهض ومسح لحيته. الآن جاء وقت العمل. قال بصوت عنيف وشرس:
– أيها الأخوة سوف أحدثكم عن النادي المقام في قريتنا، هذا النادي هو وكر من أوكار الإلحاد والتخريب. ورئيسه المدعو حسينا المتعلم في باريس رجل يدعو لنزع الملكية، يحث الفلاحين على مصادرة الأرض، وسرقة حق كتبه الله لعباده.
تطلع في أوجه الحاضرين بدقة فوجدهم يتطلعون إليه بعدم اهتمام. وبعضهم لمعت عيناه بالفرح. يا للطماعين! غيَّر اتجاه الحديث فجأة:
– وبالإضافة إلى ذلك راح يدعو لإشاعة النساء بين رجال القرية. هل تريد لزوجتك أن ينام معها رجل آخر؟ هل تريد لشقيقتك أن يخطفها أول حيوان يظهر في الطريق؟ أين الشرف أين الأخلاق؟ إن هذه الدعوة الهدامة تتنافى مع مبادئنا السامية وأخلاقنا العظيمة.
سر من التحول الذي بدا على وجوه المستمعين، لقد تحفزوا للانقضاض على العدو، إن الشرف الجليل حركهم وجعل عيونهم تلمع بالغضب.
❸
دق الباب دقات خفيفة. التفت ثانية فلم ير أحداً. فتح الباب، فظهرت هي بزينتها وبياضها الناصع وصدرها النافر. تطلع إلى هذا الصدر فألفاه كالنبع، ينبغي أن تنحني عليه وتشرب منه حتى ترتوي.
– هل أنت جاهزة؟
قالت بخوف:
– نعم. نعم.
– أسرعي الآن. لا تتأخري، احذري من العيون، تغطي جيداً، ادخلي من الباب الخلفي.
أغلقت الباب. صاح في نفسه «أسرعي أيتها العاهرة».
❹
صعد حسين إلى المنبر. تطلع إلى الحاضرين فرأى الكثيرين من الغرباء. فكر بأن الشر يزحف نحو القرية بدون توقف. ها هم قد شعروا بخطر الكلمات المضيئة. في هذه اللحظة شاهد عبدالمولى يتسلل إلى النادي بعباءَتِه السوداء. قال في ذاته «لن تمضي الليلة على خير». سمع احتجاجات تنهال عليه لتأخره في الحديث.
بدأ المحاضرة بصوت هادئ جذاب:
– أيها الأخوة أحب أن أحدثكم الليلة عن جارنا السيد محمد علي. هذا العاطل الفقير الذي يعيش بلا ساق تعينه على العمل، وتفتح له أبواب الرزق. انه بلا معيل، ولا معين، يجب أن تساعده كل القرية. سوف يقوم النادي بجمع التبرعات.
حدق عبدالمولى بعينين ناريتين. «انه يتملق الناس، ويتظاهر بالطيبة. يا للخطير! يجب أن أوقفه».
قام وهتف قائلاً:
– ليس هذا العمل من مهمات النادي، إنه من مهمات رجال الدين، وعلى كل فقد تأخر النادي في عمله، إن السيد خلفان قد تعهد بصرف مكافأة شهرية لمحمد علي وعائلته، إن النادي لم يكن منتبها لهذه المهمة الإنسانية النبيلة إلا بعد أَنْ عُمل الخير، وقد كان مشغولاً سابقاً وحالياً بنشر الدعايات المغرضة، والأفكار المستوردة..
قفز أحد الرجال إلى الميكرفون، وتناوله من يد حسين، وهتف قائلاً:
– عاش السيد خلفان!
– عاش! عاش!
تكهرب الجو بالتصفيق وظل اسم خلفان يتردد نصف ساعة كاملة.
قال حسين معتذراً:
– اسمحوا لي، نود أن ننتقل إلى حديث الليلة حول «الغلاء والأجور». ترددت هتافات صاخبة:
– لا نريد! لا نريد!
هتف أحدهم:
– نريد حديثاً دينياً!!
ازداد الصخب، وأعلنت إدارة النادي اعتذارها عن تقديم المحاضرة.
❺
سارا في الشارع. القرية خمدت أنفاسها وجاء نقيق الضفادع خافتاً من بعيد.
قال صاحبه بحزن:
– ماتت الندوة ما أغبى هؤلاء الناس!
– سيتعلمون، لا تستعجل.
– أشك في قدرتهم، أنهم كالحيوانات يقادون إلى المسلخ دون احتجاج.
قال الآخر باستياء:
– لا تقل ذلك، هل تحسب نفسك العبقري الوحيد؟!
– كلا، ولكن هذا هو شعبنا جاهل، بائس، خائف، غبي!
كانت باريس رائعة، عرض عليه العمل فيها، لكنه رفض، وشرح لهم عن أرضه الصغيرة. ضحكوا عليه لأنهم لم يروها عندما بحثوا عنها طويلاً، وحينما حدثهم عن قراها وأطفالها ونسائها تحولت الضحكات إلى وجوم وحزن عميقين.
– عندما تقتل سوف يفرح هؤلاء الفقراء بموتك، لا فائدة منهم.
كان نقيق الضفادع يتعالى من الجدول القريب.
– أنت في البداية كنت غارقا في الدروشة، لكن مع الأيام وقراءاتك المستمرة بدأت تكتشف الأشياء بوضوح. الناس أيضاً يتعلمون لكن ببطء شديد، إن عكاكيز قرون الهمجية سوف تندثر.
أشعل الآخر سيجارة فبدا وجهه قاتماً مكفهراً.
– أشك في كونهم يتعلمون. إنهم يغطون في سبات عميق.
ثم أردف في حدة:
عندما كانوا ينامون تحت ظل الخرافة والجهل كانوا راضين مستسلمين، أما حينما أردنا أن نعلمهم الحقيقة سخروا منا، ورفضونا.
– إنهم لا يرفضوننا، ولكن هناك أصحاب مصلحة يدفعونهم لرفضنا. خلفان وعبدالمولى يعملان لذلك. هل تحسب تغيير الواقع نزهة خلوية؟
كان أمامهما منعطف. قال الآخر:
– إلى اللقاء.
– لا تيأس يا صديقي.
«ها هم الأصدقاء في بداية الطريق ييأسون. سوف يستمر عملنا عشرات السنين، سنسير في درب الآلام غارقين في برك الدم والوحل. كيف سيظلون معنا؟».
فجأة غامت الدنيا في عينيه وسقط على الأرض. تبين بعض الرجال. انطلقوا ينهشونه. أحس بلحية عبدالمولى الخشنة، ثم بأسنانه الحادة تقطع لحمه في لذة ونشوة.
قال في حزن وأسى:
– كونوا مع الفقراء أيها الفقراء.
_________________
1 – لحن الشتاء «قصص»، 1975.
❖ «القصص: الغرباء – الملك – هكذا تكلم عبد المولى – الكلاب – اغتيال – حامل البرق – الملاذ – السندباد – لحن الشتاء – الوحل – نجمة الخليج – الطائر – القبر الكبير – الصدى – العين».
اكتشاف المزيد من عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي | 𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
