«حكاية المؤلف العجوز» لعبدالله خليفة: مرثية تنصت إلى الإنسان وتواجه المجتمع
تبدو «حكاية المؤلف العجوز» أقرب إلى اعتراف إنساني هادئ ومؤلم، يكشف جانباً عميقاً من تجربة الأديب الراحل عبدالله خليفة. ففيها يواجه الإنسان وحدته وثقل الزمن، ويتمسك بالكتابة لا بوصفها مهنة فحسب، بل كطريقة لحماية المعنى من النسيان، والروح من الموت الفكري؛ وهي ملامح واضحة في نتاجه الأدبي المتأخر.
ويمنح تاريخ كتابة النص عام 2006 هذه التجربة ثقلاً زمنياً وسياسياً وفكرياً خاصاً؛ فقد جاءت في مرحلة نضج عميق من مسيرة عبدالله خليفة، وفي زمن كانت البحرين والمنطقة تمران بتحولات ثقافية واجتماعية لافتة. والمثير للمشاعر والتأمل أن تظل مسرحية مطولة من 27 صفحة بعيدة عن القراء كل هذه السنوات، حتى عثر عليها شقيقه مؤخراً ونشرها عبر مواقعه الرسمية. لذلك تبدو اليوم كشهادة إبداعية مستعادة، تفتح نافذة على جانب أقل شهرة من تجربته المسرحية، بعدما عرفه الجمهور أساساً روائياً وقاصاً.
المسرحية دراما واقعية ونفسية مكثفة، غير أن قيمتها لا تنبع من قسوة أحداثها وحدها، بل من قدرتها على جعلنا نرى الإنسان وهو يحاول فهم ما جرى له. وتتجلى هذه القيمة في المفاصل الفنية والدرامية الآتية:
طبيعة المكان والتجريد: يبدأ النص في فضاء مسرحي مجرد، كأن المكان قد تخلّى عن حدوده ليعكس ما يعتمل داخل عادل، الخارج حديثاً من السجن. وهكذا لا يعود الشاطئ أو البيت مجرد موقع للأحداث، بل يتحول إلى ساحة يسائل فيها الإنسان ماضيه، ويختبر غربته، ويحاول استعادة صوته.
عقدة الرسالة المفقودة: يبلغ الصراع ذروته مع ظهور «المفتش» في المشهد العاشر، حين ينكشف السر الذي غيّر مسار حياة عادل ثلاثين عاماً: رسالة قبول منحة دار المعلمين في الخارج، أخفاها صالح وسهام. ليست الرسالة هنا مجرد ورقة ضاعت، بل احتمال حياة كاملة سُرق، فبقي عادل أسيراً لواقع مأزوم، صحفياً مطارداً، ومثقفاً يدفع من روحه ثمن ما لم يختره.
النهاية والمواجهة: في الختام يرفض عادل أن يواصل العيش داخل الوهم، ويوقّع ورقة الطلاق. ثم يعود إلى آلته الكاتبة عند الشاطئ، لا هارباً من العالم، بل محاولاً أن يبدأ من الحقيقة. يكتب سطره الأخير وهو يدرك، بألم وصفاء، أنه كان شاهداً تأخر طويلاً عن مواجهة جريمته، وأن المصالحة الأصعب هي تلك التي يعقدها الإنسان مع مرآته وذاته.
بهذه الرؤية الفلسفية يضعنا النص أمام سؤال مصير المثقف، لكنه لا يقدمه فكرة مجردة؛ بل إنساناً تحاصره الكوابيس والأشباح كلما تفككت من حوله الروابط الأسرية والاجتماعية، وكلما اتسعت المسافة بين ما يؤمن به وما يعيشه.
أولاً: شخصيات المسرحية وصراع العوالم. تتحرك الشخصيات في مدارين متباعدين: عادل، المثقف الذي يحاول الوفاء لما يؤمن به، ومحيط اجتماعي تمثله سهام وزينب وصالح ورجب، تغلب عليه النزعة الاستهلاكية. وبين المدارين لا يقوم خلاف فكري فحسب، بل جرح إنساني عميق: كيف يعيش المرء بقيمه حين يشعر أن العالم من حوله لم يعد يفهم لغته؟
عادل (المؤلف): يجسد المثقف العضوي والنقدي الذي دفع من سنوات عمره ثمناً لمبادئه في السجن. وبعد الإفراج عنه يكتشف أن الحرية الخارجية لا تبدد غربته؛ فهو غريب في وطنه، وغريب في بيت تسلبه منه زوجة أبيه، وغريب حتى في زواجه. لذلك يتشبث بـ«الكلمة» وبآلته الكاتبة القديمة، لا عن حنين ساذج، بل لأنهما آخر ما يربطه بهويته وبإحساسه بأنه ما يزال قادراً على أن يقول: أنا هنا.
سهام (الزوجة): ليست مجرد نقيض لعادل، بل شخصية ممزقة بين طموح فني لم يكتمل وواقع يثقلها بالإحباط. تصفه بـ«الحلزون الخائف» و«دودة الورق»، ثم تهرب من فشلها في تحقيق ذاتها ومن أزماتها العائلية إلى حياة الليل والشرب والثرثرة مع الشلة. ويكشف المشهد الخامس تناقضها المؤلم: حين يهيئ لها عادل المرسم والهدوء، تقف عاجزة أمام اللوحة البيضاء، ثم تنسحب مع أول رنين للهاتف إلى «الشلة الفاسدة المرحة». إنها لا تهرب من عادل وحده، بل من مواجهة نفسها أيضاً.
زينب وصالح ورجب: يمثلون وجهاً من البرجوازية الطفيلية والمجتمع الاستهلاكي، لكن النص يكشف أيضاً ما يفعله الفراغ بالإنسان. فصالح يجسد انتهازية ثقافية فقدت حساسيتها الأخلاقية؛ يسخر من نضال عادل وسنوات سجنه بوصفها «بلا جدوى»، فيما يغرق هو في الخمر والفساد ويسهم في محو هوية عادل الأدبية. أما رجب فيلوذ باللذة والطعام، غير ملتفت إلى الانهيار النفسي لزوجته أمينة، وكأن الإفراط في الاستهلاك صار وسيلة لعدم رؤية ألم الآخر.
ثانياً: الرموز السريالية في النص. يستعين عبدالله خليفة بالمشاهد الكابوسية لا ليبتعد عن الواقع، بل ليقترب من طبقاته الأكثر خفاءً. فالسريالية هنا تكشف الجرح السياسي والنفسي، وتهدم الحاجز بين الماضي والحاضر، وبين ما حدث فعلاً وما ظل حياً في الذاكرة.
الأطفال الأشباح والمهد الفارغ: يحمل المهد الفارغ والأطفال الذين يلاحقون عادل معنى نفسياً ووجودياً بالغ الحساسية؛ فهم صورة لامتداده الإنساني المبتور، ولحياة كان يمكن أن تكون ولم تُتح لها فرصة الاكتمال.
لقد زُج بعادل في السجن، ثم حُرم من الأبوة لأن سهام ترفض الإنجاب بذريعة «سرطان التخصيب». لذلك يتحول الأطفال في الكوابيس ومحاكمة صالح إلى وجوه لمستقبل أُجهض قبل أن يولد، وإلى تذكير بالضحايا الذين قد تنتجهم بنية الفساد نفسها التي يمثلها صالح ورفاقه.
اللوحة المغطاة بقماش أسود: تبدو كصورة للحقيقة المغيبة ولوعي باطن لم يعد قادراً على الاحتمال. تعجز سهام عن الرسم لأنها تحمل في أعماقها جريمة شاركت بها في تغيير مصير عادل. وحين تكشف زينب اللوحة، تظهر الحقيقة في مشهد سريالي ملموس: «امرأة تقف عند باب بيت أمك، في يدها رسالة، وخلفها رجل بلا وجه». عندها تصبح اللوحة مرآة للماضي وللذنب المشترك الذي حاول الجميع حجبه.
المفتش: يتجاوز دوره حدود رجل القانون ليغدو صوت الضمير التاريخي ومحكمة قائمة بين عالمين. يظهر بملابس داكنة ومظلة سوداء لا تبتل بالمطر، وكأنه آتٍ من ذاكرة لا تستطيع الوقائع إسكاتها. وهو لا يمثل القانون البشري الفاسد ولا القاضي الذي مات، بل «عدالة مؤجلة» تذكّر الجميع بأن الاعتراف قد يتأخر، لكنه يظل الخطوة الأولى نحو استعادة إنسانيتهم.
ثالثاً: سياق سنة 2006 وبنية الصراع. يضعنا تاريخ تدوين المسرحية، في 3 ديسمبر 2006، أمام لحظة تاريخية محددة عاشتها البحرين والمنطقة. ومن خلال حكاية عادل، يقرأ النص تلك المرحلة لا بلغة الشعارات، بل من داخل أثرها في الإنسان: في عمله وبيته وكرامته وعلاقته بالمستقبل.
مأزق المثقف بعد مرحلة «الانفراج السياسي»: شهدت البحرين في مطلع الألفية انفراجاً سياسياً، وعودة للمبعدين، وإفراجاً عن معتقلين سياسيين، وهو ما يتردد صداه في خروج عادل من السجن. غير أن العودة إلى الخارج لا تعني دائماً العودة إلى الحياة؛ فالحرية تحتاج أيضاً إلى مكان وعمل واعتراف يحفظ للإنسان كرامته.
وبحلول عام 2006 كانت الصدمة قد ترسخت لدى جيل المناضلين القدامى الذي ينتمي إليه الكاتب؛ إذ وجد بعضهم نفسه بلا وظيفة أو مأوى لائق، ومحاصراً بضيق العيش، بينما صعد الانتهازيون والوصوليون إلى واجهة المشهد الثقافي والإعلامي والاقتصادي، كما يتجسد في شخصيتي رئيس التحرير وصالح. وهنا لا يسأل النص من ربح فقط، بل ماذا يحدث للمجتمع حين يُترك أصحاب التضحيات على هامشه؟
غياب الروافع الاجتماعية وتحول الصراع: يبين النص كيف انصرفت طاقات كان يمكن أن تسهم في التغيير الثقافي والاجتماعي إلى الاستهلاك والمال والسهر والابتذال الصحفي. فرئيس التحرير يريد صفحة ثقافية تقوم على «الأكشن والإثارة والفضائح»، في إشارة إلى انحدار الخطاب الصحفي الجاد في منتصف الألفينات نحو السطحية والتكسب عبر السفارات والجهات المتنفذة. والمفارقة المؤلمة أن المجتمع حين يفقد ثقته بالكلمة العميقة، لا يخسر المثقف وحده، بل يخسر قدرته على فهم نفسه.
سرقة المصير التاريخي: تعود «الرسالة المسروقة منذ ثلاثين عاماً» رمزياً إلى سبعينيات القرن الماضي، زمن ذروة الحراك السياسي والاعتقالات في البحرين. لكنها تتجاوز مأساة عادل الفردية لتشير إلى مصير جيل كامل جرى تغيير مساره. ففي رؤية عبدالله خليفة، لم يكن استنزاف المثقفين نتيجة القمع الخارجي وحده؛ فقد أسهمت فيه أيضاً خيانات قريبة، من زوجة أو أصدقاء ثوريين زائفين، فظل بعضهم فقيراً ومطارداً، يقتات من كلماته. وهذه الفكرة لا تبرئ الفرد ولا تدينه ببساطة، بل تدعونا إلى فهم شبكة المسؤوليات التي تصنع المأساة.
خلاصة التحليل: «حكاية المؤلف العجوز» مرثية صادقة وحادة، لكنها ليست دعوة إلى اليأس. فمن خلال عادل يشخّص عبدالله خليفة جراح الذات والمجتمع، ثم يترك بطله أمام اختيار واضح: أن يبقى داخل العلاقات الزائفة، أو يواجه الحقيقة مهما كان ثمنها. يختار عادل الطلاق، ويجلس إلى آلته الكاتبة عند البحر؛ وكأن الكلمة، بعد كل الخسارات، تظل مساحة أخيرة للحرية والتطهر واستعادة الكرامة. وهكذا تصبح حكايته نبوءة مبكرة عن جيل من المبدعين والمثقفين، ونداءً إنسانياً كي ننصف الإنسان قبل أن نحتفي بأثره بعد فوات الأوان.
الشخصيات:
- المؤلف (عادل) في الخمسين.
- سهام زوجته، في عمر مقارب.
- زينب صديقتها.
- صالح: زوج زينب.
- رجب: (أخو زينب)
- أمينة: زوجة رجب
- الأب
- الام
- الصديق الأول
- الصديق الثاني
- رئيس التحرير. • مدير تحرير. • صحفي 1 • صحفي 2
- السكرتيرة. • رئيس الكتاب. • مسئول الإسكان
المسرح مجرد، مُحاطٌ بقماش معتم، الأرضية مسطحة، ثمة أشياء متعددة من طاولة، وكراسي، وسرير، وتتحول كلها إلى أدوات تتكئ عليها الشخوصُ في مشاهدها المختلفة، والمكان أقرب للغرفة الواسعة المفتوحة على البحر والبر..
المكان رغم تجريديته فهو محدد بالعصر ويعبر عن تباينات حادة للشخصية الرئيسية ولتحولات ظروفها.
مفتتح
الصديق الأول: هل تتصور أن المناضل العجوز ذو الشعر الأشيب الذي يقوم بصبغهِ، متظاهراً بأنه شاب، هذا الرجل الذي كان ينبغي أن يكون له أحفاد، هو إنسان عاشق، عاشق لفتاةٍ صغيرة!
الصديق الثاني: ماذا في ذلك؟ لا تنسى المعاناة الطويلة التي عاناها.. وهو من حقه أن يحب!
الصديق الأول: بعد هذه السن وبأسنانه الصناعية والكوفية التي تغطي صلعته، هل رأت صديقته ما تحت الغطاء؟
الصديق الثاني: لا! ليس لديه أسنان صناعية، بل كان دائماً يواظب على غسل أسنانه والعناية بها، أتذكر في الزنزانة التي كنا فيها، ولا تحلم فيها بدورة مياه، إنه كان يمضي إلى ركن الزنزانة، ويغسلُ فمه في البرميل وينظف أسنانه بطريقة مواظبة تمزق أعصاب نزلاء الزنزانة. ففي الساعة الثامنة تماماً يتحرك وقبل ذلك يهمس المحيطون: – الآن سيتحرك! – بل ربما نسي الليلة غسل الأسنان؟ مستحيل أن ينسى! – ستبدأ المضمضةُ الآن، يا للهول!!
الأول: وإذا افترضنا إن أسنانه جيدة فماذا عن أجهزته الأخرى؟!
الثاني: لم أقم بفحصها.. ولكن قل لي أنت؟ ألم تكن أنت عاملاً بسيطاً في زمن سابق، وكانت لديك زوجة طيبة وعشت معها زمناً، وكنتَ تقول لن أتخلى عن أم العيال، وحين جرت في يدك النقود، والله أعلم كيف جرى ذلك، أسرعت بالزواج من أجنبية جميلة، واشتريت فيلا فيها بركة سباحة ووضعت عدة كلاب شرسة على بابك خوفاً من قدوم ربعك؟!
الأول: كنتُ في عز شبابي، وليستُ مثل صاحبك.. فقير ومعقد وعجوز!
الثاني: أنا أراه لا زال نشيطاً ومرحاً، بل أنت العجوز بينما هو طفل، طفل جميل! أزحْ هذه الباروكة من على رأسك، وأغسلْ المكياج من على خديك وجبينك، ولا تقم بصبغ حواجبك وسترى نفسك حينئذٍ!
المشهد الأول
(عند الشاطئ في سيارة)
المؤلف: يا عزيزتي أنا تواً خرجتُ من السجن وبي شوق عارم إلى الجلوس معك والنظر إليك فقط، وأنت تريدين الذهاب إلى صديقتك؟ أين الحب، أين الشوق؟
سهام: المكوث هنا عند الشاطئ والنظر إلى البحر والمارة وأنت بصمتك أو بأحاديثك الفكرية العميقة، كل هذا شيء ممل وأنا أحب الحياة!
المؤلف: أي حياة هذه؟ كل ليلة شرب وثرثرة، بل هذرة في الواقع..
سهام: أسمعوا ماذا يقول؟ يريد أن يعلمني ما هو الفرق بين الثرثرة والهذرة؟ يا للعجب!
المؤلف: دعينا من العودة للقواميس، وركزي معي على القضية المحورية وهي هذه السهرات الليلية المستمرة منذ خرجتُ قبل شهرين، وأنت ليس لديك وقت لي، شربٌ وتدخين وصراخ ثم نوم حتى الظهيرة!
سهام: قضية محورية.. نقد جارح لطريقة الفعل اليومي والعفوية الحرة، ما هذا الكلام، هل نحن في خلية أم في علاقة حب؟ ثم أنت بصراحة لا تعرف كيف تعيش، ليس لديك عمق فعلي وحياتي، أنت دودة ورق، وقد قرأتَ وتأملت كثيراً في السجن وآنَ لك أن تخرجَ إلى الحياة الحقيقية، أن تتذوقَ السهر حتى الفجر وأن لا تغسل أسنانك بتلك الطريقة المرضية الوسواسية، وأن تشرب حتى تتدحرج مثل البرميل، مثل الأطفال، أنت رجل شائخ قبل الأوان!
المؤلف: أنت لا تفهمين!
سهام: أنا لا أفهم؟ أنا؟! حين كنتُ في الغربة كنتُ أضع الرجال حولي في دائرة ثم أقومُ بتعريتهم واحداً واحداً، وكانوا يذهلون كيف تقوم امرأة بذلك وكيف تتسرب إلى أعماقهم، وأنت تقول لي لا أفهم!
المؤلف: كيف تقومين بتعريتهم؟ بإنزال سراويلهم وأنت يتعتعك السكر ويملأ رئتيكم الدخانُ والألفاظ؟
سهام: ما هذا؟ كيف تجرؤ؟ أنا يتعتعني السكر؟ أنا أشرب محيطاً ولا أتأثر، بل أغدو أكثر صحواً!
المؤلف: يا للهول!
سهام: كلُ من يراني يعجب بيّ، وأنت الوحيد والذي يفترض أن تذهل وتفتخر بأنك وجدتَ امرأة بمثل هذه الروح العظيمة، أنت الذي تكسر مجاديفي وتريد إزاحة شخصيتي..
المؤلف: لا أريد إزاحة شخصيتك أو التصغير منك، بل أقول لك إن تعريتك للرجال أمر مبالغ فيه، أنتِ تكونين في حالة سكر وتبالغين في ردود أفعالك وتصرفاتك وتشكلين قصوراً في الهواء!
سهام: لا يمكن أن أجلس معك وأنت بهذه العقلية المحدودة، وبسوء الظن الرهيب هذا!
المؤلف: أنا أحاول أن أبصركِ بسلبياتك؟!
سهام: أنا لدي سلبيات؟! وماذا تقول عن نفسك؟ بالكاد تخرج من صدفتك وتطل برأسك في العالم، حلزون خائف، حذر، هل أنت قادم من السجن أم من ماذا.. ماذا يحدث لكم هناك فتظهرون معقدين، مرضى؟!
المؤلف: لأني خارج من السجن وبلا وظيفة وبلا مكان لائق وبلا سيارة وبلا نقود وبلا معونة من أحد، وبلا جواز وبلا بطاقة شخصية، وبلا رخصة قيادة، وبسبب ذلك أنا معقد يا روحي!
سهام: (تهدأ قليلاً) كل ذلك سوف يتغير، لا تضعْ كلَ شيء على رأسك، ولهذا تكون السهرات مفيدة ولذيذة، بدلاً من أن نشاهد البحر ونتجادل بلا فائدة!
المؤلف: بل نحن نحاول أن نعرف بعضنا، مضت سنوات طويلة منذ التقينا أول مرة، وانقطعنا طويلاً، وغابت رسائلك، بل سافرت ثم عدت أخيراً وأنت لا تتابعين حالتي!
سهام: هل ستعيد الأسطوانة مرةً أخرى؟ لقد كتبت لي مثل هذه العبارات المسمومة: أنتِ ابتعدتِ عن بلادك، ولعلك هربت أو تواريت عن قضيتنا.. هل هذا كلامٌ يــُـكتبُ لامرأة تكتب إليك رسائل وأنت في السجن؟!
المؤلف: ماذا أقول لكِ؟ إذا صمتُ تقولين لا تريد أن تظهر ما بداخلك وإذا تكلمتُ صرخت وغضبت، ماذا أفعل لك؟
سهام: أليس لديك كلمات حب أو غزل أو مدح، ليس لديك سوى الحقيقية التاريخية والنقد الذاتي؟!
المؤلف: أرى وضعك يتجه إلى نفق غريب مسدود!
سهام: آه يا ربي! كفى! كفى! سوف أذهب إلى السهرة واتمتع بدلاً من هذا الغم والعشق الملعون!
(السيارة تندفع)..
المشهد الثاني
الأب: (متلحف وشبه راقد) أنت سالم.. لقد دفعنا فاتورة الكهرباء منذ شهر..
المؤلف: يا أبي لستُ سالم، أنا عادل، أبنك، وأي سالم هذا؟
الأب: عادل؟ أجئت أخيراً؟
المؤلف: صار لي عدة شهور منذ تم الإفراج عني، وكل يوم أزورك وأنت تناديني بسالم! أريد أن أصارحك يا أبي، لقد قسوتَ علينا، لم يعد لدينا ثمة شيء، ظهرتُ فإذا امرأة تحتل البيت وتحتل حياتك بطريقة عسكرية كاملة، وغدا بيتنا أشبه بعمارةٍ خربة، فيها محلاتٌ مؤجرة والمرأة تأخذ كل شيء. هذا ما فعلته ببيتنا الأول!
الأب: كان لنا بيتٌ أول؟ نعم، نعم، أتذكر الآن.. ولكن أين سالم؟ كان هنا قبل قليل. لقد عملنا مصيدةً وقارباً كبيراً، واصطدنا الكثير من السمك، وهو أخذ جزءً منه إلى بيته، وأنت ألم تأكل من ذلك السمك؟!
المؤلف: كان ذلك البيت القديم واسعاً، وكان لك النصف يا أبي ولأختك النصف، وجاءت عمتي وقالت لك: بعني يا أخي النصف من بيتك لأصنع منزلاً لأبنائي، وهي تعيشُ مع زوجها في بيت كبير وأبناؤها صار لديهم بيوت فيما بعد، ومع هذا بعتَ أنت البيت بسعر التراب، بنقود مؤجلة.. وحرمنا نحن من البيت، والآن ها هي زوجتك تستولي على هذا البيت كذلك، وأنا خرجتُ من السجن وليس لدي مكان، وليس لدي نقود، كنتُ أدفع لكم مالي الأخير وأنا محاصر هناك في الزنزانة!
الأب: (ينتبه) أنت رجل تستطيع أن تعيش كيفما كان. قلتُ لهم أبني عادل يستطيع أن يعمل بسرعة البرق، فلديه كفاءات عالية، أنه لا يتعطل أبداً!
الأم: (تخرجُ من العتمة) أنا قلتُ لك يا عادل لا تعتمد على أبيك ولا على أحد أبداً، لكنك أنت رفضت إلا وأن تخدم الجماهير! أي جماهير هذه؟ أنا متُ وكنتُ أحمل لك مبلغاً كبيراً من ميراثي في بلد آخر، وجئت ُ إلى البيت ولم تكن موجوداً ولم أرك منذ تلك اللحظة، تعبتُ. انهرت، متُ، فأخذ أبوك المال وتزوج!
المؤلف: يا أمي كان لا بد أن تصمدي قليلاً. كان لا بد.. كنتُ أنا أتعذبُ هناك وأمدُ لكِ يدي ولكن أنت كنتِ تغرقين في مشاعرك الفياضة وأمراضك..
الأم: لم أكن أعلم ماذا حدث لي.. كان ضغط الدم والسكر والخوف عليك، وجاءتني سهام عندما كنتُ بعد لم أسقط، وقدمتُ لها بضع هدايا وطلبتُ منها أن تعتني بك.. وبعدها غابت..
المؤلف: أجل سافرت مع صديقتها زينب..
الأم: لكنها أخذت رسالة كانت مرسلة إليك من الخارج.
المؤلف: لم أعلم بهذه الرسالة، ربما كانت متعلقة بالعمل.
الأم: قلتُ لك أن تترك كل هذه القضايا، وتكرسُ نفسك لنفسك، أنت كنتَ معلماً، وسوف تجمع مالاً وتشتري لك بيتاً. لكنك لم تسمع كلامي!
المؤلف: كان الواجب وبساطة الفكر والحماس المشتعل!
المشهد الثالث
(جمعٌ في بيت زينب وموسيقى غنائية ورقص)
سهام: نريد أغنية إيرانية، كوكوش.. أجل، أجل، هذه هي!
زينب: (ترقص بقربها) ولكنها حزينة، نريد موسيقى راقصة فرحة!
سهام: أسمعي صوتها مثل القربة الحزينة يحركها راعٍ في الجبال!
زينب: يا لتشبيهاتك، نحن لن نرقص بها.
صالح: (وهو يرفع علبته) إنني أحي الرجل الذي خرج من السجن وأضاع أجمل سنوات شبابه في اللاجدوى منه!
رجب: (أخو زينب) ألم يجهز الشواء بعد؟ بي جوع ضارٍ!
زينب: ليندا تقوم بذلك، أحذروا أنها تحرق اللحم!
أمينة: (وهي تبتعد عن حلقة الرقص وتتوجه للمقعد الذي يجلس عليه المؤلف) أليس لديكم سوى الرقص والأكل والشرب؟ (تلتفتُ إليه) ألا ترقص أنت يا عادل، ما بك حزين؟
المؤلف: أتأمل.. لوكلنا رقصنا لم يبق مكان لأحد..
سهام: هو دائماً حزين..
زينب: يجب أن تتدفق بالحيوية، الحياة تعاش مرةً واحدةً..
أمينة: إنني أبحث عن زوجي في هذه الحياة التي يجب أن تعاش فلا أجده، كل ليلة وهو يتطوح!
رجب: هل ستنكدين عليّ الآن وكالعادة؟!
أمينة: ليس معقولاً هذا الذي يجري.. الأولاد لا يدرسون وهم يسمعون كل هذا الصخب المستمر!
رجب: (غاضباً) إنهم في غرفهم، وهم يتمتعون بالألعاب والكتب هناك، أذهب يا عادل وطالعهم.. أنها دائماً مصابة بهذا القلق والتوتر الدائمين.
سهام: عادل مثلها!
رجب: أذن لا تذهب لأولادي!
سهام لرجب: (وهما يضحكان) أنظر يجلسان معاً كتلميذين في مدرسة!
زينب: ها هي ليندا قد أحضرت الشواء، هل هو محروق؟
سهام: (وهي تتذوق) حمداً لله أنه غير محروق!
زينب: لكن عليه طبقةٌ من الرماد!
سهام: لا يوجد أحد دون طبقة من الرماد، هذه جزء من تقاليد النار!
رجب: (وهو يكاد يلتصق بليندا) اللحم ممتاز جداً!
(تهدأ الموسيقى، تنطفئ الأنوار، يتحول الممثلون إلى أشباح في الظلام، وثمة حركة لبعض الأجسام. ثم تشتعل الأضواء مجدداً عند الصباح، الأضواء ساطعة في الخارج، الأجسام متناثرة ونائمة على الكراسي، عادل منهار على مقعد، سهام غارقة في مقعد طويل، أمينة ناهضة من وقت مبكر، الأطفال يستعدون للذهاب إلى المدرسة).
عادل: أصحِ يا سهام، نريد أن نذهب للعمل!
أمينة: (وهي تعطي الأولاد سندويتشاتهم) خذ هذا ساندويتش البيض، لا تريده؟ ماذا أعطيك إذن؟ وأنتِ لا تريدين أيضاً، يا إلهي ماذا أفعل لكم؟! هيا، هيا يجب أن لا تتأخروا على المدرسة، سوف أوصلكم! أين رجب، لماذا لا يساعدني في أي شيء؟ عادل هل رأيته؟
عادل: (بتثاؤب) في تلك الغرفة.
أمينة: (تذهب ثم تعود غاضبة مكفهرة) رائحته قذرة!
عادل: (بعد فترة) هيا يا سهام، الساعة الآن العاشرة!
سهام: (بعد لحظات، وداخل مقعدها) أذهب أنت. أنا لن أذهب إلى العمل!
عادل: ولكن ماذا أفعل أنا وبلا سيارة.. والمكان بعيد، ولدي ارتباطات.
سهام: (لا ترد وتغفو ثانيةً).
المشهد الرابع
(المؤلف كأنه في حلم.)
المؤلف: أنا أحب الأطفال، كيف أعيش بدونهم؟! وهي قالت إنها لا تنجب، تخافُ من الولادة.
سهام: (وهي تظهر) قلت لك لقد حلمتُ بأني سوف أموتُ حين ألد.. لقد رأيت هذا الحلم وأحلامي لا تخطئ..
المؤلف: (بحسرة) ربما وهم، جربي..
سهام: كيف أجرب في عمري، تناول حقن تقوم بالتخصيب يؤدي إلى السرطان، ولن أغامر بعمري من أجل طفل!
المؤلف: (مستمراً في الحلم، يحمل مهد طفل ويدور به) نمْ يا صغيري، نم!
سهام: أنت توتر أعصابي بحب الأطفال، لقد لاحظت كيف هجمت على أبناء أمينة تقبيلاً واحتضاناً، ألا تعرف إن ذلك يجرح مشاعري؟
المؤلف: لم أكن أقصد، خلاص أنا لن أحب الأطفال!
سهام: في قصاصة من ورقك لك تمدح امرأة حاملاً، لماذا؟!
المؤلف: ماذا ورقة؟ لا أذكر؟!
سهام: (تقرأ من كتاب) كان بطنها منتفخاً، وكان هو ينظر إلى ذلك الخصب مذهولاً.. خصب؟!
المؤلف: هذا يتعلق بموقف البطل غير المتزوج والمعذب بغياب المرأة وبحبه الشديد للأطفال!
سهام: لماذا أنت معذب؟ ماذا ينقصك؟ كل شيء متوفر لك وكنت خارج من السجن وليس لديك قشة!
المؤلف: لستُ أنا بالشخصية، هل ستحاسبينني على شخصياتي كذلك؟!
سهام: لا تترفس في النعمة!
(المؤلف في حلمه، يتجنب الأطفال المندفعين، يلقي بالمهد في زاوية، يظهر طبيب وهو يتحدث إلى سهام).
الطبيب: جرعةٌ صغيرة، جرعة صغيرة لا أكثر..
سهام: سرطان!
الطبيب: جرعة.. (صارخاً) أنت مريضة نفسية!
(المؤلف وسهام يتداخلان، يتباعدان، يتجاذبان، يتصارعان، ينئيان).
المؤلف: (متحدثاً دون أن يوجد أحدٌ أمامه) أين أمضي؟ يا لبيت الأب المتعب، سوف أنام على هذا الكرسي الصغير، سأضع رأسي على الوسادة، أجيء في منتصف الليل وأطرق باب بيتنا القديم؟! لا أحد يفتح! الضوء فوق لكن لا أحد يفتح!
الصديق الأول: قلت لك لا تتزوج امرأة مثقفة، خذ الولود البشوش!
الصديق الثاني: المرأة البسيطة أفضل!
المؤلف: لقد صرفتُ كثيراً على الزواج وأنا مفلس، كلها صارت ديون يجب أن تدفع!
الصديق الأول: هذه نتائج الفكر والثقافة!
المشهد الخامس
(بيت سهام وعادل المشترك. صغير متواضع. المؤلف وراء آلته الكتابية الصغيرة. يطبع).
سهام: (وهي تدخل غاضبة) هؤلاء الأهل الذين لا تنتهي مطالبهم ولا متاعبهم. كلما حاولتُ أن أهرب منهم ذهبتُ إليهم وغصتُ في معاركهم وصراخهم. أبي يحاول أن يسلي نفسه قليلاً وأمي لا تتركه يخرج، تريد أن تعذبه.
المؤلف: (متوقفاً عن الطباعة) هل حدث شيء؟
سهام: لا يمكن أن أتركها تعذبه، صرختُ عليها، فتشاجرنا، احتدتْ في وجهي: صار لكِ بيتٌ الآن فاتركينا! أنا الذي صرفتُ على ذلك البيت وجددت أثاثه ولولاي لكان أخوتي ضائعون، ومع ذلك فإن أمي دائماً تنتهز الفرصة للشجار معي وتريد أهانتي!
المؤلف: حاولي أن تقللي من ذهابك إليهم.
سهام: (صارخة) كيف أخفف وكيف أترك أهلي، أنت لا تريد أن تقيم علاقات وليس لك أهل، فلا يهمك ذلك! (تترنح على الكرسي) حاولتُ أن انتزع نفسي منهم بلا فائدة. مطالبهم لا تنتهي، أدواتٌ مدرسية، أغراضٌ للبيت، سُلف، وأين أنا وأين مشروعاتي؟ دفنتُ رأسي في الشركة منذ سنوات طويلة، وأنا فتاة صغيرة غضة، حلمتُ دائماً أن أرسم، شكلتُ لوحات عدة كلها ناقصة، وتأتيني صورها وأنا في العمل، أتباحثُ مع الزبائن عن العمليات الاستثمارية، الوجوه التي تأتي تحفزني على التأمل والرسم، لكن طاولة العمل والأرقام تأخذني فتسحبُ كل تلك الخيوط الجميلة من روحي.
(فترة من الصمت والهدوء).
المؤلف: تعالي.. هذه الغرفة لك تماماً، أغلقي عليك الباب، ها أنا قد وضعت لك أدوات الرسم، وهناك لوحتك الفارغة، بيضاء تنتظر ريشتك. سأعمل لك شاياً!
سهام: جميل أنت في هذا الحنان!
المؤلف: هكذا تكون حياتنا حلوة يا روحي!
سهام: (وهي تختفي في الغرفة، المؤلف يكتب على آلته، فترة صمت وموسيقى. فجأة يرن الهاتف، المؤلف يتركه في رنينه الصاخب، تظهر سهام، ترفع السماعة بشوق وتوتر) أنتم تجمعتم؟ كل الشلة الفاسدة المرحة؟! أنا مشغولة! ليس شغلاً مستعجلاً، ولكنه حث للذاكرة على الحضور.. لن يفسد الحث ليلة أو ليلتين؟ من يعلمك هذه الألفاظ الماكرة؟ نعم، سأحضر فقط لمدة ساعة لا أكثر!
المؤلف: (بدهشة) ألا يمكن لزينب أن تتركك لحظة!
سهام: هي مجرد ساعة، كذلك فإن مزاجي ليس مؤهلاً للفن في هذه اللحظة، يجب أن لا نكون آليين ونترك الفن ينمو بتلقائية خصبة.
(تخرج، المؤلف وحده، الضوء يخفت، يجثم على الكرسي، يحيطه بذراعيه، تكات الساعة تعمل بدأب، إظلام كامل، ثم شقشقة الفجر، سهام تدخل بصخب، تترنح، تجثم على الكرسي الطويل وتنام، ضوء ساطع، عادل يجثم على آلته، يكتب ويشرب الشاي، الظهيرة، سهام تصحو بضجر وجمود، وتنظر بغضب إلى تكتكة الآلة).
سهام: (وهي تدخن وتشرب قهوة) قلت لك امنعني من الخروج، ولكنك أنت لا تسمع الكلام، كيف تتركني أخرج بهذه البساطة، ليست لديك اهتمام، ليس لديك.. حب، هذا الجمود الغريب الذي أنتم مصابون به!
(تعود للنوم ثانية).
المشهد السادس
(المؤلف في حركة وكأنه منوم مغناطيسياً، يمشي، يقفز..)
المؤلف: (متجهاً إلى ثلة من الشخوص، بعضها تلبس ثياباً إفرنجية والرئيس يلبس ثوباً خليجياً) كتبتُ التحقيق عن الحارة.. وها هو!
رئيس التحرير: وقت قياسي، وموضوع آخر عن البسطاء والكادحين وسوء الخدمات!؟
صحفي 1: الأخ عادل يكتب التحقيقات بشكل أدبي جميل.
صحفي 2: لكن تنقصه الصور!
عادل: لقد قلتُ لكم إنه لا يوجد في المجلة مصور مرافق وجاهز، وأنا بلا آلة تصوير، وبلا سيارة، انتقل عبر النقل العام النائم يا سادة!
رئيس التحرير: نحن نريدك أن تكتب عن هذه الأشياء خاصة، لا أحد لدينا يذهب للريف ويغوص في المزارع ويرسم بقلمه وجوه الناس والحقول كما تفعل… نحن مشغلون بالكتابة عن القضايا العربية الهامة!
(المؤلف يتحرك، يجاور السكرتيرة الجميلة، التي تشاكسه).
السكرتيرة: تأتي في هذا الجو الحار مشياً على الأقدام، سوف أوصلك بسيارتي!
المؤلف: لكن..
السكرتيرة: هذه سيارة المجلة، هل تعتقد أن رئيس التحرير يدفع لشيءٍ، كلها من السفارة، التي تعبر هذه المجلة عنها، وأنت تقوم بإظهار جانب يريدونه ويفتقرون إليه!
المؤلف: حضور الناس..
الصحفي 1: (مع المؤلف) هذه السكرتيرة رائعة وهي تقدم مختلف الخدمات! خاصة لنا نحن العزاب العرب المهاجرين.. لحمها لذيٌ يا صاحبي!
رئيس التحرير: (للمؤلف) ماذا فعلت بنفسك يا عادل؟ أي ناسٍ تكتب لهم؟ أنظر ماذا حققت أنا؟ فيلا كبيرة وشركة ومطبعة والباقي قادم.. وأنت مصر على هذه الأفكار، هل قرأت أعمدتي في الجريدة اليومية التي جعلت البقرة الضاحكة فيها شخصية انتقادية هامة؟!
الصحفي 2: (للمؤلف) أتعرف رئيس التحرير هذا، إنه شبق جداً، وقد هجم على سكرتيرة سابقة يريد أن يغتصبها لكنها صرختْ وجرت إلى الشارع وهي في ذهول، وتم لفلفة القضية في مركز الشرطة..
رئيس التحرير: (للمؤلف) أمدح هذا البلد الذي يعاضد هذه المجلة وأوضاعك تتغير تماماً!
(المؤلف في حركة منهارة من التعب، والقيظ، والغيظ، يمسح عرقه، يترنحُ، يجلس على الطاولة يكتب على الآلة، يشطب ورقاً، يعيدُ الكتابة، يخفتُ النورُ، تدخل سهام وهي تثاءب، تنام على الكرسي الطويل، تكتكة الآلة والساعة في حدةٍ متزايدة، ضجة موسيقى، وثلةٌ ترقص، وسهام بينها صاخبة، المؤلف على الآلة، سهام تحضر أكلاً وهي تعبة).
سهام: كل يوم ذات الروتين، عمل، عمل، في هذه الشركة الوسخة، ولا تلوين، ولا رسم، نفس الوجوه البشعة التي أريد أن أمزقها على القماش، لكن لا أحد يساعدني، أهلٌ لا يرحمون، وأنت اعتقدتُ أنك سوف تساعدني، وإذا بك بحاجة للمساعدة.. لو أن هذه الخيوط المرهقة كلها تتقطع وأُترك لفني فسوف أقوم بأشياء كبرى.. لماذا أنا محاصرةٌ دائماً؟ ستقول لي أعملي الآن ثمة وقت، أنا أريد أن أعمل في الصباح، مع إشراقة الشمس، مع تفتح المزاج، وليس في هذا الليل الذي يدعوك للسهر والنشوة!
المؤلف: وماذا أفعل أنا؟ أنتِ لا تتركني أعمل، لدي تحقيقات عليّ أن أنجزها، وقصص يجب أن أكملها وأبيضها!
سهام: ما هذا الذي تكتبه؟ أية تحقيقات؟ وأية مجلة تافهة هذه؟ هل خرجتَ من السجن وتحملتَ كل هذه المعاناة لتشتغل في مثل هذه المجلة؟!
المؤلف: لم أكتب حرفاً واحداً في مدح أحد، كلها صور من أعماق الحارات والقرى، وزير الداخلية أتصل بالمجلة وقال لهم: ألا يوجد لدى هذا الإنسان سوى ما يلوث سمعة هذا البلد؟!
رئيس التحرير (للمؤلف) لماذا لا تزور السفارة؟
المشهد السابع
المؤلف: (في حالة انعدام الوزن) ماذا يحدث يا سادة هنا؟ لماذا فصلوني من المجلة؟ جاء رجلٌ إلى البيت وقال إن رئيس التحرير لا يريدك أن تحضر إلى المكتب. هذا هو آخر راتب. منتهى الأمانة! كانت هذه النقود أتعكزُ عليها. لا زلتُ أبحث عن عناوين للصحف وأكتبُ قصصاً، وأرسلها، يقول لي أحد المتنفذين في المكاتب الصحفية: نراك على طول شارع الصحافة وأنت تسلم مواداً. سهام تقول إني كسول. الآلة الكاتبة صارت مهترئة، ينقصها التشكيل والحرف الأسود العميق. لا يمكنني شراء آلة كاتبة أخرى، هذه من مخلفات ما قبل السجن!
الأب: (يظهر متلحفاً) أختك مريضة عليك أن تساعدنا.
سهام: الحمامات خربة أذهب إلى الإسكان!
مسئول الإسكان: أنت لا تدفع!
سهام: أنا أجيء كل يوم تعبة وأمي تعاركني على هذا الغداء الناشف الذي أحمله منها، أطبخ لنا!
رئيس الكتاب: أنت تسبب لنا مشكلات كبيرة يا عادل في الثقافة، تدعو لأفكار قديمة متآكلة وتسبب معارك وكوارث في جسمنا الصغير.
مدير تحرير الصحيفة اليومية: لا يوجد عمل لك. لكن سوف أقرأ الرواية التي كتبتها. أمهلني بعض الوقت.
سهام: لقد جننتُ من هذه الشركة وكوابيسها، اليوم تشاجرتُ مع المدير، ثم هو الذي أتصل واعتذر! منطقي لا يُرد. سوف أستقيل منها وأتفرغ للرسم. ولكن هل سأتمكن من مساعدة أهلي؟ أين أعمل؟
المؤلف: استقيلي مادام هذا الحل يريحك وليتحمل أهلك أنفسهم، كفاية ما تحملته على مدى هذه السنين لأجلهم.
مدير التحرير: لقد تم قبول روايتك يا سيد عادل، ستكون أول رواية محلية تــُـنشر مسلسلة في الجريدة.
سهام: لماذا نشرت الرواية هكذا؟ ما هذه الصورة كأنك من عظام ولم تأكل أبداً!
المؤلف: لماذا أنت متضايقة؟!
سهام: أنا مشروعاتي مؤجلة دائماً، وأنت جالس هنا في البيت، راقد أو تقرأ، وتنقد شخصية أبولوموف في الرواية الروسية التي تقول عنها، ألست أنت مثله؟!
المؤلف: ماذا أفعل إنني أسلم كل جريدة ومجلة قطعة صحفية أو قصة أو رواية وأشتغل ليل نهار!
سهام: هذه الأعمال لا تفتح بيتاً!
المؤلف: وهل لدينا أطفال ومصاريف ضخمة تتحمل كل هذه التلميحات؟
سهام: لا بد أن تذكر الأطفال في كل مناسبة، ماذا ذنبي أنا إذا كان جسمي لا يسمح بذلك!
الصديق الثاني: (للمؤلف) جميع رفاقنا الذين خرجوا من السجن اشتغلوا في البنوك، البنوك تعطي رواتب كبيرة..
المؤلف: لكن العمل منذ الصباح حتى الظهر..
الصديق الثاني: وأحياناً حتى الليل. أنا على سبيل المثال أظهر منذ الفجر ولا أعود إلا منتصف الليل. ولكنني استطعت أن أقيم بيت من دورين، فلا بد لك أن تضحي..
المؤلف: أنا لا أستطيع أن أعمل في البنوك، ليست من قدراتي..
سهام: وهل تظل طول حياتك تكتب؟
الأب: ما فائدة الكتابة؟
رئيس تحرير مجلة النجمة: مرحباً بك يا أخ عادل في مجلتنا، أنت كفاءة مهمة معطلة، أشتغل ما تريد في هذه المجلة، إنها مفتوحة لك وللكفاءات من أمثالك، ولكننا نريد كلمة مميزة، كلمة نختلف فيها عن غيرنا..
(المؤلف في حالة كتابة على الآلة، ليل نهار، أوراق تتساقط، وتملأ المكان، يقوم بسرعة، يركض، يوزعها على شخوص متعددين، يضعونها في سلات المهملات، يتمخطون فيها، يلهث، ينهار، يجري بين طاولات، وأحواض ماء وغسيل، وبلاعات، وجذوع..)
رئيس تحرير النجمة: أنظر يا أخ عادل هذه الصورة وُضعت على عمودين فصارت تأخذ حيزاً كبيراً من الصفحة، يكفي أن تكون على عمود واحد، وهذه الكتابة التي فيها أولاً وثانياً وثالثاً، أنا لا أفضل كتابة فيها مدرسية، وهنا علامة تعجب في السؤال فلماذا كثرة علامات التعجب في المقال، ثم أن صفحتك الثقافية خالية من (الأكشن)، نريد صفحة ثقافية مليئة بالإثارة والفعل، فضائح، ولكن على أن تكون موثقة..
المؤلف: أنت تريد فريق عمل للصفحة وأنا أشتغل لوحدي!
الصحفي 1: الصفحة الثقافية لا تهتم بما يجري على الساحة المحلية؟!
الصحفي 2: نلاحظ أن الصفحة خالية من التنوع!
رئيس النجمة: من الضروري أن لا تكون الصفحة مركزة على الأدب لا بد أن يكون للفكر فيها نصيب..
الأم: قلت لك يا ولدي ليس ثمة أفضل من التدريس، تذكر ماذا صرفنا على التعليم، وكنتَ تشتغل في العطلات الصيفية وتوفر بعض المال، الآن أنا أختنق من ظروفك..
المؤلف: بعد أن خرجت تقدمتُ لوزير التعليم فأخذ مني كتاباً وكتب قصاصة ورق يهديني فيها لكيفية كتابة الأدب الجيد النظيف، ولكنه لم يشر من قريب أو بعيد لرجوعي للتدريس..
المشهد الثامن
(كوابيس، المؤلف راقد على فراش على الأرض)
الصديق الأول: قلت لك إنه سوف يتزوج فتاةً صغيرة بعمر أبنته ويترك مبادئ النضال!
رئيس التحرير: السفارة تقدمت بطلب لإعدامك، ولكنني رفضتُ ذلك، وقلتُ هو أفضل من يزرع البرسيم في مجلتي.. لكنه اعتدى على السكرتيرة وشغل عقلها..
رئيس النجمة: كل هذا المقال الطويل عن الفكر وليس ثمة فيه إشارة إليّ، وهذه القصة التي كتبتها لم تعتبرني مناضلاً مميزاً في تاريخ هذا البلد، أنا أجزم بأن صفحتك هذه هي مؤامرة لتقزيم صورتي لدى الأجيال القادمة، ولهذا فسوف أنقص أجرك، بل أطالبك بالعمل في مزرعتي براتب مؤجل..
سهام: لم أعد سوى آلة تنتجُ لكم النقود، ولكن أين أنا؟ أين رسوماتي ولوحاتي؟ أنتم ضيعتم حياتي المبدعة الهامة للإنسانية، وأنت يا عادل خاصة كنتَ كارثة جديدة في حياتي، لقد أردت التخلص منك وأنا في السفر وكتبتُ رسالة إليك، ولكن كنتَ في السجن وحين جئت إلى أمك أخذتها، وكانت تلك غلطتي.. كان يجب أن أفاتحك أنت لا تصلح لي.. أنا كائن حساس مرهف وأنت جامد غليظ الإحساس..
الأب: يا أبني هذا البيت قديم وأنا نويت أن أعطيه لزوجتي وأنت تستطيع أن تعمل وتشتري لك بيتاً.
الأم: لا تيأس يا أبني، تغلب عليهم كلهم!
(أشباح ترفع قدمي المؤلف عالياً وتضربه بشدة. يتأوه بألم).
أصوات: لماذا تكتب؟ لمن تكتب؟ كيف تهرب الرسائل من السجن؟
رئيس الجماعة الأدبية: بناءً على عدم نضجه الفني وكتاباته التقريرية الزاعقة واستخدامها لأغراض شخصية فقد تقرر إعدامه بناءً على تلويثه للبيئة..
المؤلف: هذه أمينة كيف أنت؟ أين ذهبت؟
صالح: أتركها هذه مرشحة للصعود إلى المطهر!
المشهد التاسع
(حفل في بيت زينب).
المؤلف: (وهو يهتز راقصاً) ماذا بك يا أمينة؟ عيناك غريبتان!
أمينة: بعد أن خرجتُ من مستشفى الأعصاب ماذا تريدني أن أكون؟
المؤلف: أية حالةٍ غريبة فيك؟
أمينة: لا أعرف بعد كل ولادة أصاب باكتئاب شديد!
المؤلف: لماذا؟ حين تنجبين هذه القطع من الضحك والشقاوة والبراءة تكتئبين؟!
أمينة: الحياة بلا جدوى!
صالح: (وهو يتطوح) نعم هذه هي الكلمة الوحيدة الحقيقية!
زينب: (غاضبة على صالح) لماذا لا تجلس وأنت بهذه الثمالة؟
صالح: أنا ثمل، العالم هو السكران. قولوا الحقيقة أيها الأخوة والأخوات، حتى تتطهر قلوبكم، لماذا تحملون كل هذه القاذورات في أرواحكم، تكلمي يا أمينة، بوحي، اصرخي على زوجك!
أمينة: (للمؤلف) أشعر بأنك الوحيد هنا الذي تفهمني!
المؤلف: أنا لا أرى فيك شيئاً يبعث على هذه الدرجة من الحزن؟!
رجب: أنا أؤيد دعوة الشرب فقط!
سهام: هذا الذي أنت فالح فيه، أنظر إلى زوجتك، أعطها بعض الاهتمام!
رجب: لا تتدخلوا بيني وبين زوجتي!
أمينة: تصور هذا الزوج القالب من الثلج وأنت تعرف ما هي حالتي؟
المؤلف: أراه رجلاً طيباً بسيطاً، ومرحاً وغنياً بالمال.. ماذا تريدين أكثر؟
أمينة: ألا تنظر إلى أطفالنا، أنا جميلة وهو قبيح، ويأتي الأطفال ويأخذون أقبح ما فينا فيظهرون أشبه بالقرود!
المؤلف: أنا لا أرى ذلك.. دعيهم يكبرون أولاً!
صالح: (وهو يشرب من الزجاجة مباشرة) لو كان الأطفال رائعون وأذكياء وماذا بعد؟ أي جحيم ينتظرهم!
أمينة: تصور إنني أخذت أطفالي قبل مدة، شحنتهم كلهم في السيارة، ورحتُ أبحثُ عن مرتفع لكي ننزلُ فيه جميعاً، لماذا نعيش؟
المؤلف: (مرتعباً) ماذا بك يا أمينة، كفي عن هذا النزول إلى الهاوية!
صالح: يا أخ عادل أنا بصراحة لا تعجبني كتاباتك، كلها عن البؤساء، مملة، ونثرية فاقعة، هل أنت واعظ مصلح في هذا الخراب؟ وماذا سوف تصلح؟ طالع أمينة هل يمكن أن تنقذها بكلماتك؟
المؤلف: حالتها مرعبة ويائسة، أرجو أن لا تتفاقم مثل هذه الحالات، عل كلماتنا تساعد في ذلك..
سهام: علمه يا صالح، دعه يحلق، يقطع الخيوط التي تربطه بهذا التراب القاتم..
صالح: إنه لا يطلق أعماقه الداخلية (يرفع الزجاجة) املأ روحك بهذه…!
المؤلف: (وهو يتنحى في العتمة ويحدق في الراقصين والصراخ والفوضى) ما الذي أحضرني إلى هنا؟
المشهد العاشر
(المؤلف وسهام في حالة صراع شديدة، ومطر وعاصفة حولهما).
سهام: أريدُ الطلاق فعلاً، لا يمكن أن أعيش معك!
المؤلف: موافق لأن التفاهم بيننا غير ممكن.
سهام: أهكذا توافق بكل بساطة! أنا أدرك أنك لا تحب شيئاً، من الممكن أن تتخلى عن أي شيء.
المؤلف: التمزيق الذي تقومين لأي جلد ولأي علاقة لا يبقي حباً ولا علاقة..
سهام: أنا ممزقة، لماذا يتهافت عليّ الرجالُ إذن؟ لماذا أشدُ الأنظارَ في كل مكان أذهب إليه؟ أنت لا ترى سوى الجانب الأسود من الوجود. عليك أن تغير نفسك إذا أردت أن تكون سوياً، وإذا أردت أن تعيش وتبقى فما بالك أن تبدع! الإبداع يحتاج إلى نفس غير هذه، يحتاج إلى روح منفتحة ومتسامحة، وأنت تحدق في كل شيء وتنقد كل شيء وتمزق كل شيء!
المؤلف: إذا كانت أشياء سلبية.
سهام: أنت تريد أن أقول إنني محتاجة إليك، وإنني في اللحظات الأخيرة أنهار واتراجع، ولكني الآن لن أتراجع، وسوف أوافق على هذا الانفصال، وأطيح بهذا الزواج المعذب والذي لم استفد منه شيئاً.
المؤلف: (يشير إلى بناء كبير) هذا هو مبنى المحكمة وهيا بنا ننهي هذه العلاقة النارية الخائبة!
سهام: (متجمدة) أنت فعلاً لا يهمك أي شيء وقلبك من حصى. لم تفكر بكل اللحظات الجميلة التي عشناها معاً، وتركز على لحظتي العصبية وقلقي ولا ترى وجدي ولهفتي وحناني.. دعنا نذهب إلى مكان آخر نشرب شيئاً، نتحدثُ قليلاً، لعلنا نصل إلى حل..
(يهبط ضوء أزرق بارد على باب المحكمة. الرعد يتوقف فجأة، كأن يداً خفية أغلقت السماء. من بين المطر يظهر رجل بملابس داكنة يحمل مظلة سوداء، لا يبتل منها ولا يبتل هو. يفتح دفتره ببطء، وتظهر خلفه ظلال سجناء قدامى ونساء بأوشحة بيضاء وأطفال يجرون مهدًا فارغًا.)
المفتش: لا أحد يدخل المحكمة الليلة. القاضي مات قبل ساعة، والكاتب اختفى، والملف الذي جئتما من أجله لم يعد في خزانته.
سهام: أي ملف؟ نحن جئنا للطلاق لا لجريمة.
المفتش: كل طلاق جريمة مؤجلة، يا سيدتي. أما ملفكما فهو أقدم من زواجكما. رسالة وصلت إلى أم عادل قبل موتها، ثم خرجت من البيت في يد امرأة لا تريد أن تتذكر.
المؤلف: (يتراجع) الرسالة؟ الرسالة التي قالت أمي إن سهام أخذتها؟
سهام: لم آخذ شيئاً. كنتُ صغيرة وخائفة ومطاردة بأحلامي. كل ما أخذته منك هو عمرك، وكل ما أخذته مني هو صورتي التي لم تكتمل.
(تهتز الآلة الكاتبة في أقصى المسرح من تلقاء نفسها. تبدأ بالطرق وحدها: حرفاً، حرفاً، حرفاً. تتطاير الأوراق في الهواء، وتلتصق على الجدران المعتمة مثل أجنحة خفافيش بيضاء).
صوت الآلة: عادل بن لؤي… قبول نهائي في دار المعلّمين بالخارج… منحة وسكن وراتب… يشترط الحضور خلال ثلاثين يوماً… الرسالة لم تُسلّم.
المؤلف: (كأن الأرض انسحبت من تحته) ثلاثون يوماً؟ ثلاثون عاماً وأنا أفتش عن باب، وكان الباب في ظرف مغلق؟
المفتش: ليس السؤال من أخفى الرسالة فقط، بل من بنى حياته كلها على اختفائها. لدينا شاهد عاد من الموت، وشاهدة ترسم ما لا تراه العيون.
(تظهر الأم من العتمة، لا تمشي، بل تنزلق فوق ضوء خافت. في يدها مظروف محترق الأطراف. ومن الجهة الأخرى تخرج زينب، تحمل لوحة مغطاة بقماش أسود).
الأم: لم أر وجه من أخذ الرسالة. رأيتُ خاتماً أخضر، ورائحة عطر مُرّ، وسمعتُ ضحكة امرأة تقول: إذا خرج من سجنه سيخرج إلى سجنه الأكبر.
زينب: (تكشف اللوحة) رسمتُها قبل سنوات ولم أفهمها. امرأة تقف عند باب بيت أمك، في يدها رسالة، وخلفها رجل بلا وجه.
سهام: (تقترب من اللوحة، ثم تضع يدها على فمها) هذا الخاتم… كان خاتمي. لكن الرجل… الرجل كان صالح.
(عاصفة داخلية تضرب المكان. يدخل صالح مترنحاً، لكن صوته هذه المرة صافٍ كحد السكين. خلفه تتحرك ظلال رجال بملفات رسمية ووجوه صحفية مطموسة).
صالح: لم أفعلها وحدي. الرسالة كانت بداية فقط. كانوا يخافون من عودته معلماً وكاتباً حراً، فأرادوه فقيراً، زوجاً مرهقاً، صحفياً مطارداً، رجلاً يلعق حبره ليعيش. وأنا ساعدتهم لأنني كنتُ أكره كل من يذكّرني بأن لي روحاً.
المفتش: إذن نعترف: سرقة رسالة، تزوير مصير، واشتراك في قتل بطيء. لكن القانون هنا لا يكتب بالحبر وحده. هذه محكمة بين عالمين؛ ما لم يعاقبه البشر تعاقبه الذاكرة.
(تتحول الطاولة إلى منصة تحقيق، والسرير إلى قارب قديم، والكراسي إلى زنزانة من قضبان ضوء. الأطفال الأشباح يدورون حول صالح، يحملون دفاتر مدرسية بيضاء. كل ورقة يلمسها تتحول إلى سمكة نافقة، وكل كلمة ينطق بها تسقط حجراً في فمه.)
صالح: أنقذيني يا زينب! لم أقتل أحداً!
زينب: بل قتلتَ الاحتمال. أحياناً يموت الإنسان لأنه لم يعش النسخة التي كانت تنتظره.
سهام: وأنا؟ هل كنتُ شريكة؟ هل أخفيت الرسالة لأنني أردته قريباً مني، أم لأنني خفت أن ينجو وحده؟
المؤلف: لا أريد محاكمة قلبك، يا سهام. لقد حاكمتك كثيراً، وحاكمتني كثيراً. أريد فقط أن أعرف: هل بقي من الحقيقة ما يكفي لنبدأ من جديد، أم أن الحقيقة نفسها وصلت متأخرة؟
(تقترب سهام من اللوحة. ترسم بخط واحد باباً مفتوحاً داخل صدر عادل المرسوم. الباب يضيء، ويظهر خلفه شاب يشبه عادل القديم، يحمل حقيبة سفر ويدخل قاعة تدريس مليئة بأطفال لا وجوه لهم.)
صوت الأم: هذا هو الطريق الذي سُرق منك، لكنه ليس الطريق الوحيد.
المفتش: أمامك اختياران يا عادل: أن توقع على الطلاق وتخرج إلى صباح فقير لكنه حقيقي، أو تدخل اللوحة فتعيش العمر الذي صادره الآخرون، لكنك إن دخلت فلن تعود إلى هذه الخشبة أبداً.
المؤلف: (ينظر إلى سهام طويلاً) كنتُ أظن أنني أكتب لأعيش، فإذا بي أعيش لأعرف لماذا كُتبت حياتي بهذه القسوة.
سهام: لا تدخل. ابقَ. سأرسمك كما لم أعرفك، وستكتبني كما لم أعرف نفسي.
المؤلف: الحب الذي يحتاج إلى محكمة كي يتذكر اسمه، وإلى مفتش كي يعثر على رسالته، ليس حباً، بل ملفاً بارداً.
(يوقع عادل ورقة الطلاق. في اللحظة نفسها تبتلع اللوحة صالحاً، فلا يبقى منه سوى خاتم أخضر يسقط على الأرض. يلتقطه المفتش، يضعه في ظرف الرسالة، ثم يختمه بختم أحمر: القضية لم تُغلق.)
المفتش: كل مؤلف يظن أنه يكتب شخصياته، حتى تأتي ليلة كهذه فتكتب الشخصيات اعترافاتها وتتركه متهماً بالنجاة.
(تشرق شمس باهتة. تقف سهام أمام لوحتها، فإذا بالبياض يزحف عليها ويمحو الألوان. عادل يحمل آلته الكاتبة، لا يحملها إلى البيت ولا إلى المحكمة، بل إلى البحر. يجلس عند الشاطئ حيث بدأ كل شيء، ويضع ورقة جديدة.)
المؤلف: (يكتب بصوت مسموع) في تلك الليلة لم أكن ضحية، ولم أكن بطلاً. كنتُ شاهداً تأخر كثيراً عن جريمته، فلما وصل وجد القاتل في المرآة، والضحية تضحك من داخل اللوحة.
3/12/2006
اكتشاف المزيد من عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي | 𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
