حكاية المؤلف العجوز – نص جديد قديم لم يعرف ولم ينشر من قبل لـ عبدالله خليفة

«حكاية المؤلف العجوز» لعبدالله خليفة: مرثية تنصت إلى الإنسان وتواجه المجتمع
تبدو «حكاية المؤلف العجوز» أقرب إلى اعتراف إنساني هادئ ومؤلم، يكشف جانباً عميقاً من تجربة الأديب الراحل عبدالله خليفة. ففيها يواجه الإنسان وحدته وثقل الزمن، ويتمسك بالكتابة لا بوصفها مهنة فحسب، بل كطريقة لحماية المعنى من النسيان، والروح من الموت الفكري؛ وهي ملامح واضحة في نتاجه الأدبي المتأخر.
ويمنح تاريخ كتابة النص عام 2006 هذه التجربة ثقلاً زمنياً وسياسياً وفكرياً خاصاً؛ فقد جاءت في مرحلة نضج عميق من مسيرة عبدالله خليفة، وفي زمن كانت البحرين والمنطقة تمران بتحولات ثقافية واجتماعية لافتة. والمثير للمشاعر والتأمل أن تظل مسرحية مطولة من 27 صفحة بعيدة عن القراء كل هذه السنوات، حتى عثر عليها شقيقه مؤخراً ونشرها عبر مواقعه الرسمية. لذلك تبدو اليوم كشهادة إبداعية مستعادة، تفتح نافذة على جانب أقل شهرة من تجربته المسرحية، بعدما عرفه الجمهور أساساً روائياً وقاصاً.
المسرحية دراما واقعية ونفسية مكثفة، غير أن قيمتها لا تنبع من قسوة أحداثها وحدها، بل من قدرتها على جعلنا نرى الإنسان وهو يحاول فهم ما جرى له. وتتجلى هذه القيمة في المفاصل الفنية والدرامية الآتية:
طبيعة المكان والتجريد: يبدأ النص في فضاء مسرحي مجرد، كأن المكان قد تخلّى عن حدوده ليعكس ما يعتمل داخل عادل، الخارج حديثاً من السجن. وهكذا لا يعود الشاطئ أو البيت مجرد موقع للأحداث، بل يتحول إلى ساحة يسائل فيها الإنسان ماضيه، ويختبر غربته، ويحاول استعادة صوته.
عقدة الرسالة المفقودة: يبلغ الصراع ذروته مع ظهور «المفتش» في المشهد العاشر، حين ينكشف السر الذي غيّر مسار حياة عادل ثلاثين عاماً: رسالة قبول منحة دار المعلمين في الخارج، أخفاها صالح وسهام. ليست الرسالة هنا مجرد ورقة ضاعت، بل احتمال حياة كاملة سُرق، فبقي عادل أسيراً لواقع مأزوم، صحفياً مطارداً، ومثقفاً يدفع من روحه ثمن ما لم يختره.
النهاية والمواجهة: في الختام يرفض عادل أن يواصل العيش داخل الوهم، ويوقّع ورقة الطلاق. ثم يعود إلى آلته الكاتبة عند الشاطئ، لا هارباً من العالم، بل محاولاً أن يبدأ من الحقيقة. يكتب سطره الأخير وهو يدرك، بألم وصفاء، أنه كان شاهداً تأخر طويلاً عن مواجهة جريمته، وأن المصالحة الأصعب هي تلك التي يعقدها الإنسان مع مرآته وذاته.
بهذه الرؤية الفلسفية يضعنا النص أمام سؤال مصير المثقف، لكنه لا يقدمه فكرة مجردة؛ بل إنساناً تحاصره الكوابيس والأشباح كلما تفككت من حوله الروابط الأسرية والاجتماعية، وكلما اتسعت المسافة بين ما يؤمن به وما يعيشه.
أولاً: شخصيات المسرحية وصراع العوالم. تتحرك الشخصيات في مدارين متباعدين: عادل، المثقف الذي يحاول الوفاء لما يؤمن به، ومحيط اجتماعي تمثله سهام وزينب وصالح ورجب، تغلب عليه النزعة الاستهلاكية. وبين المدارين لا يقوم خلاف فكري فحسب، بل جرح إنساني عميق: كيف يعيش المرء بقيمه حين يشعر أن العالم من حوله لم يعد يفهم لغته؟
عادل (المؤلف): يجسد المثقف العضوي والنقدي الذي دفع من سنوات عمره ثمناً لمبادئه في السجن. وبعد الإفراج عنه يكتشف أن الحرية الخارجية لا تبدد غربته؛ فهو غريب في وطنه، وغريب في بيت تسلبه منه زوجة أبيه، وغريب حتى في زواجه. لذلك يتشبث بـ«الكلمة» وبآلته الكاتبة القديمة، لا عن حنين ساذج، بل لأنهما آخر ما يربطه بهويته وبإحساسه بأنه ما يزال قادراً على أن يقول: أنا هنا.
سهام (الزوجة): ليست مجرد نقيض لعادل، بل شخصية ممزقة بين طموح فني لم يكتمل وواقع يثقلها بالإحباط. تصفه بـ«الحلزون الخائف» و«دودة الورق»، ثم تهرب من فشلها في تحقيق ذاتها ومن أزماتها العائلية إلى حياة الليل والشرب والثرثرة مع الشلة. ويكشف المشهد الخامس تناقضها المؤلم: حين يهيئ لها عادل المرسم والهدوء، تقف عاجزة أمام اللوحة البيضاء، ثم تنسحب مع أول رنين للهاتف إلى «الشلة الفاسدة المرحة». إنها لا تهرب من عادل وحده، بل من مواجهة نفسها أيضاً.
زينب وصالح ورجب: يمثلون وجهاً من البرجوازية الطفيلية والمجتمع الاستهلاكي، لكن النص يكشف أيضاً ما يفعله الفراغ بالإنسان. فصالح يجسد انتهازية ثقافية فقدت حساسيتها الأخلاقية؛ يسخر من نضال عادل وسنوات سجنه بوصفها «بلا جدوى»، فيما يغرق هو في الخمر والفساد ويسهم في محو هوية عادل الأدبية. أما رجب فيلوذ باللذة والطعام، غير ملتفت إلى الانهيار النفسي لزوجته أمينة، وكأن الإفراط في الاستهلاك صار وسيلة لعدم رؤية ألم الآخر.
ثانياً: الرموز السريالية في النص. يستعين عبدالله خليفة بالمشاهد الكابوسية لا ليبتعد عن الواقع، بل ليقترب من طبقاته الأكثر خفاءً. فالسريالية هنا تكشف الجرح السياسي والنفسي، وتهدم الحاجز بين الماضي والحاضر، وبين ما حدث فعلاً وما ظل حياً في الذاكرة.
الأطفال الأشباح والمهد الفارغ: يحمل المهد الفارغ والأطفال الذين يلاحقون عادل معنى نفسياً ووجودياً بالغ الحساسية؛ فهم صورة لامتداده الإنساني المبتور، ولحياة كان يمكن أن تكون ولم تُتح لها فرصة الاكتمال.
لقد زُج بعادل في السجن، ثم حُرم من الأبوة لأن سهام ترفض الإنجاب بذريعة «سرطان التخصيب». لذلك يتحول الأطفال في الكوابيس ومحاكمة صالح إلى وجوه لمستقبل أُجهض قبل أن يولد، وإلى تذكير بالضحايا الذين قد تنتجهم بنية الفساد نفسها التي يمثلها صالح ورفاقه.
اللوحة المغطاة بقماش أسود: تبدو كصورة للحقيقة المغيبة ولوعي باطن لم يعد قادراً على الاحتمال. تعجز سهام عن الرسم لأنها تحمل في أعماقها جريمة شاركت بها في تغيير مصير عادل. وحين تكشف زينب اللوحة، تظهر الحقيقة في مشهد سريالي ملموس: «امرأة تقف عند باب بيت أمك، في يدها رسالة، وخلفها رجل بلا وجه». عندها تصبح اللوحة مرآة للماضي وللذنب المشترك الذي حاول الجميع حجبه.
المفتش: يتجاوز دوره حدود رجل القانون ليغدو صوت الضمير التاريخي ومحكمة قائمة بين عالمين. يظهر بملابس داكنة ومظلة سوداء لا تبتل بالمطر، وكأنه آتٍ من ذاكرة لا تستطيع الوقائع إسكاتها. وهو لا يمثل القانون البشري الفاسد ولا القاضي الذي مات، بل «عدالة مؤجلة» تذكّر الجميع بأن الاعتراف قد يتأخر، لكنه يظل الخطوة الأولى نحو استعادة إنسانيتهم.
ثالثاً: سياق سنة 2006 وبنية الصراع. يضعنا تاريخ تدوين المسرحية، في 3 ديسمبر 2006، أمام لحظة تاريخية محددة عاشتها البحرين والمنطقة. ومن خلال حكاية عادل، يقرأ النص تلك المرحلة لا بلغة الشعارات، بل من داخل أثرها في الإنسان: في عمله وبيته وكرامته وعلاقته بالمستقبل.
مأزق المثقف بعد مرحلة «الانفراج السياسي»: شهدت البحرين في مطلع الألفية انفراجاً سياسياً، وعودة للمبعدين، وإفراجاً عن معتقلين سياسيين، وهو ما يتردد صداه في خروج عادل من السجن. غير أن العودة إلى الخارج لا تعني دائماً العودة إلى الحياة؛ فالحرية تحتاج أيضاً إلى مكان وعمل واعتراف يحفظ للإنسان كرامته.
وبحلول عام 2006 كانت الصدمة قد ترسخت لدى جيل المناضلين القدامى الذي ينتمي إليه الكاتب؛ إذ وجد بعضهم نفسه بلا وظيفة أو مأوى لائق، ومحاصراً بضيق العيش، بينما صعد الانتهازيون والوصوليون إلى واجهة المشهد الثقافي والإعلامي والاقتصادي، كما يتجسد في شخصيتي رئيس التحرير وصالح. وهنا لا يسأل النص من ربح فقط، بل ماذا يحدث للمجتمع حين يُترك أصحاب التضحيات على هامشه؟
غياب الروافع الاجتماعية وتحول الصراع: يبين النص كيف انصرفت طاقات كان يمكن أن تسهم في التغيير الثقافي والاجتماعي إلى الاستهلاك والمال والسهر والابتذال الصحفي. فرئيس التحرير يريد صفحة ثقافية تقوم على «الأكشن والإثارة والفضائح»، في إشارة إلى انحدار الخطاب الصحفي الجاد في منتصف الألفينات نحو السطحية والتكسب عبر السفارات والجهات المتنفذة. والمفارقة المؤلمة أن المجتمع حين يفقد ثقته بالكلمة العميقة، لا يخسر المثقف وحده، بل يخسر قدرته على فهم نفسه.
سرقة المصير التاريخي: تعود «الرسالة المسروقة منذ ثلاثين عاماً» رمزياً إلى سبعينيات القرن الماضي، زمن ذروة الحراك السياسي والاعتقالات في البحرين. لكنها تتجاوز مأساة عادل الفردية لتشير إلى مصير جيل كامل جرى تغيير مساره. ففي رؤية عبدالله خليفة، لم يكن استنزاف المثقفين نتيجة القمع الخارجي وحده؛ فقد أسهمت فيه أيضاً خيانات قريبة، من زوجة أو أصدقاء ثوريين زائفين، فظل بعضهم فقيراً ومطارداً، يقتات من كلماته. وهذه الفكرة لا تبرئ الفرد ولا تدينه ببساطة، بل تدعونا إلى فهم شبكة المسؤوليات التي تصنع المأساة.
خلاصة التحليل: «حكاية المؤلف العجوز» مرثية صادقة وحادة، لكنها ليست دعوة إلى اليأس. فمن خلال عادل يشخّص عبدالله خليفة جراح الذات والمجتمع، ثم يترك بطله أمام اختيار واضح: أن يبقى داخل العلاقات الزائفة، أو يواجه الحقيقة مهما كان ثمنها. يختار عادل الطلاق، ويجلس إلى آلته الكاتبة عند البحر؛ وكأن الكلمة، بعد كل الخسارات، تظل مساحة أخيرة للحرية والتطهر واستعادة الكرامة. وهكذا تصبح حكايته نبوءة مبكرة عن جيل من المبدعين والمثقفين، ونداءً إنسانياً كي ننصف الإنسان قبل أن نحتفي بأثره بعد فوات الأوان.


اكتشاف المزيد من عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي | 𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أفاتار غير معروف

الكاتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙 21.10.2014 | 1.3.1948

أضف تعليق

اكتشاف المزيد من عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي | 𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة